اسم المستخدممراحين- مدونة عُمانية حُرَّةالموجودون عالخطيوجد حاليا لا مستخدمين و 26 ضيفا عالخط.
الأعضاء الجدد |
الرِّوائي السعودي عبده خال: ما زال لديّ مخزون حكائيٌّ كبير جدًّا وشخصياتٌ مختلفةنشره saltowayyah يوم سبت, 2008-06-14 00:32.
عبده خال أثناء إجراء الحوار في حانة تشرشل بمسقط الرِّوائيّ السعودي عبده خال: ما زال لديَّ مخزونٌ حكائيٌّ كبيرٌ جدًّا وشخصيَّاتٌ مختلفة - كل شيء تستطيع أن تحوله إلى كتابة متى ما خلقت عمقًا فكريًّا للقصة التي تريد أن تكتبها - المكان المغلق لا تتجدَّد فيه التَّهوية، ويكون بؤرة للأمراض والفساد ومركَّبات النَّقص البشريّ جمعاء - أوغاد العالم ليسوا صغارًا بل كبار بدءًا بصدام وانتهاءً ببوش - حرب الخليج أدت إلى تمزيق العُرى بين الناس البسطاء - أُعنى كثيرًا بالشَّخصيَّات وأستحضرها كما تُستحضَر العفاريت! - المكان يصنع الشخوص، يترك بصماته عليهم - مشكلة الشخصيات جميعها أن لديها نوعًا من الشك في كل شيء - الشَّخصيَّة تحمل تاريخها السِّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والنَّفسيّ - رواية "نباح" كانت مجرد مذكرات لي في مدينة صنعاء غبتُ عنها سنوات، ثم عدت فوجدتها طازجة - في الثمانينيَّات كنا نبارك حرب أفغانستان ولا نعرف أنها أتون نضع فيه كميَّاتٍ كبيرةً من الجمر لكي تلتهمنا في هذه الأيام - في "فسوق" كانت مؤسسة هيئة الأمر بالمعروف هي التي تتابعني - مشكلة القصة العُمانية ليست في مستواها الفني لكنْ في تواصلها مع الآخرين - لماذا تتركون صنع الله إبراهيم يأتي من الخارج ويكتب عنكم رواية؟ حاوره: سالم آل تويه وُلِدَ عبده خال عام 1962م في قرية المجنة بمنطقة جازان السعودية. أنجز شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية بجامعة الملك عبد العزيز عام 1987م، ويكتب في العديد من الصحف والدوريات الثقافية، ويُشارك في إحياء أمسيات وجلسات حوارية، كما يُشارك في تحرير دورية "الراوي" المعنية بالسرد في الجزيرة العربية والتي تصدر عن نادي جدّة الأدبي، ويُشارك أيضًا في تحرير مجلة "النص الجديد" التي تنشر الأدب الحديث لكتَّاب المملكة العربية السعودية، وحاصل على مجموعة من الدروع والميداليات والشهادات من الأندية والجمعيات الثقافية التي شارك فيها، وتم تكريمه في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وقُدِّمت دراساتٌ عن تجربته الروائية. عام 1984م صدرت "حوار على بوابة الأرض" مجموعته القصصية الأولى التي قدَّمها بروح تجريبية يسري السرد في دمائها، ويستحوذ على حواسِّ القارئ، خالصًا للقصة وبإمكانيات أكثر تدفقًا في ثالث مجموعاته القصصية "ليس هناك ما يُبهج" (القاهرة 1988م)، وفيها يكتب عبده خال قصصًا طويلة شديدة التماسك والإدهاش ستسلمه بعد ثلاث سنين إلى روايته الأولى "الموت يمر من هنا" (بيروت 1991م)، خالقًا ذلك العالم المرير الذي هو في الحقيقة ليس إلا الواقع المنغرز في بؤبؤ العين، يبنيه بتفاصيل دقيقة واشتغال سردي يحفر فرادتَه وتميُّزَه. وبعد سبع سنوات من صدور روايته الأولى، أي في 1998، صدرت عن دار الساقي في لندن روايته الثانية "مدنٌ تأكل العشب" لتؤكِّد مضيَّه في مشروعه الروائي بصبر وإصرار إبداعي على الإنتاج المشتغل عليه بعناية والغزير في الوقت نفسه، كما سيتضح جليًّا في توالي صدور رواياته اللاحقة. وفي "مدنٌ تأكل العشب"، كما في "الأيام لا تُخبِّئ أحدًا" (كولونيا 2000) أو "نباح" (كولونيا 2003) على سبيل المثال، يؤسس عبده خال مادته السردية الخام على المجتمع السعودي وتحوُّلاته، بمختلف شرائحه وتعدُّد سكَّانه وما يحدث في جهره وخفائه. وفي قصص وروايات عبده خال شخصيَّاتٌ تنفصم العُرى بينهم وبين العالم، وعاشق ينام تحت نافذة حبيبته فيطلع عليه فجر القرية والناس ذاهبون إلى الصلاة، ثم تسحق حرب الخليج حبَّه بلا رأفة، ودم ينفجر أمام العيان من يدٍ يُنفَّذ في صاحبها حدُّ السرقة، وقريةٌ يحكمها أعتى جلادي الأرض، وفواجع تنتصر لأن الأقدار أو الحظوظ أو اللَّعنات لا تُخطئ الطريق إليها. من أعماله المنشورة أيضًا: "لا أحد" مجموعة قصصية. "حكايات المداد" مجموعة قصص للأطفال. "مَنْ يُغنِّي في هذا اللَّيل؟" مجموعة قصصية. ً "الأوغاد يضحكون" مجموعة قصصية. "الطِّين (ذلك البعيدُ كان أنا)" رواية. تنبغي الإشارة هنا إلى أن هذا الحوار أُجري عام 2006م عندما زار الروائي عبده خال عُمان مشاركًا في أسبوع القصة الأول الذي أقامته أسرة كتَّاب القصة في النادي الثقافي بمناسبة اختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية، ومحييًا إحدى أماسيه، ولأسباب لا داعي لذكرها هنا بقي الحوار حبيسَ الشريط المسجَّل، إلا أنه- بالرغم من عدم نشره قبل الآن- ما زال حيًّا محافظًا على طزاجته، وذلك من خلال حديث عبده عن كتابته للرواية وربطها بالواقع السعودي على أصعدة عدَّة تشترك في خلق الشخصيات وإنتاج النَّصِّ الروائي. كما يجب الإشارة إلى أن أحد الأسئلة يرد فيه ذكر "حلقة نقاش"، وهي الحلقة التي أُقيمت في أيام أسبوع القصة على نطاق محدود، وشارك فيها كل من الروائيين السعودي عبده خال والمصري إبراهيم عبد المجيد والعراقي صلاح عبداللطيف، بينما شارك من العُمانيين كل من القاصين: يونس الأخزمي ومحمود الرحبي وعلي الصوافي وحسين العبري وسالم آل تويه. المشروع الرِّوائيّ - الملاحظ أنك منذ عام 1991م، تاريخ نشر روايتك الأولى "الموت يمر من هنا" التي كانت بالفعل عملاً لافتًا- بشكل يستدعي ليس الاحتفاء فقط- إلى أن صدرت روايتك الثانية "مدن تأكل العشب"، بدأت تعمل على مشروع روائي، أو اتَّضح أن لديك مشروعًا يتبلور. بعد 10 سنوات (أي منذ روايتك الأولى وانتهاءً بروايتك الأخيرة "فسوق") أصبحت لديك ست روايات في الوقت الذي نشهد فيه تراجعًا على أصعدة عدة، فكثير من الكتاب العرب يعملون بلا مشاريع، وهناك من يتوقف، ومن يصدر بين فترة وأخرى، أي أنَّ هناك تذبذبًا في نتاجهم. هلا حدثتنا أكثر عن مشروعك الروائي؟ وكيف سيكون مضيك فيه في السنوات المقبلة؟ * إذا آمنا بأن الرواية هي المجال الخصب لاحتواء كثير من الفنون وإحداث كثير من التفاعلات في المجتمع، الوقوف مع المجتمع في مفاصله التي يتغير فيها، أو من خلال المتغيرات التي تنشأ في المجتمعات، إضافة إلى وجود متغيرات متلاحقة وسريعة، وأنت شخص تعيش في هذه الحياة وتمثل شاهد عصر على هذا الواقع، وأي كاتب يعتبر شاهد عصره على واقعه... لا أخفيك كنت في البدء مهمومًا بمسألة الحنين إلى الشخصيات التي عبرتُها في طفولتي، أو إلى الشخصيات التي تأثرت بها في شبابي، وبالتالي زخم هذه الشخصيات وكثرتُها وممارستُها لسلوكيات ما تحت السطح، أو من يمكن تسميتُهم بالشخوص الهامشيين الذين يمتلكون حريتهم وفق معطياتهم الثقافية ومعطياتهم الحياتية ويُمارسون حياة تبدو أنها على السطح، لكنها معبرة بشكل كامل عما يدور وعما يحدث في المجتمع، وانعكاسات السياسة والاقتصاد عليهم. كنت راغبًا في... وقبل أن أقول كنت راغبًا: إضافة إلى ذلك نحن جميعًا نسمع حكاياتٍ، نسمع عن شخوص؛ بدأ المجتمع السعودي يتحدَّث. إلى وقت قريب كان الماضي شبه غائم كثيرًا بالنسبة إلينا. مع الانفتاح وتقارب الناس من بعضهم بعضًا والحديث وبدء الحوارات تتكشف لك أشياء كثيرة تستطيع أن تُحوِّلها إلى بؤر روائية، وتستطيع من خلالها أن تقدم كثيرًا من الروايات. أعود وأقول: ربما، ربما لأنني أحمل كثيرًا من الشخصيات التي عبرتني أو عبرتها وأرغب في أن أقدمها، وهي شخصيات لا تسير وفق السائد لكنها شخصيات مشاكسة وشخصيات قلقة، والروائيُّ المعنيُّ تُعتبر هذه الشخصياتُ كنزًا روائيًّا مهمًّا له. على مستوى القرية تلاقي هناك شخصيات مشاكسة وقلقة وجوديًّا وقلقة حياتيًّا؛ إذا جاز لي التعبير فإن هذه الشخصيات شبيهةٌ بالشخصيات العالمية التي تستطيع أن تتحوَّل من واقع محلي إلى فضاء إنساني عالمي في تقديم هواجسها، في تقديم حياتها، في تقديم... ربما قدَّمتُ جزءًا من هذه الشخصيات من خلال "الموت يمر من هنا"، ثم في "الطين" أيضا ظهر الجزء الآخر، هذه الشخصية القلقة التي لا ترتهن إلى السائد ولا ترتضي به، وأيضًا لا تنظر إليه بالتقديس الذي ننظر به نحن على سبيل المثال. إضافةً إلى المتغير السريع الذي حدث من تسعين القرن الماضي إلى الآن مرت على البلاد هزَّات عنيفة، هزَّات على المستوى السياسي، على المستوى الاقتصادي، على المستوى الاجتماعي، خروج الناس... لم يكن أحد يتصور أن يٌصادَر سلاحٌ من المواطن السعودي، فإذا بها مجموعات كبيرة تخرج بشكل مسلسل، بشكل دموي. أنت ككاتب عليك بمراجعة هذه الشخصيات: كيف خرجت؟ من المتسبِّب في خروجها؟ وبالتالي تكتشف أن حرب أفغانستان- على سبيل المثال- في الثمانينيات كنا نباركها ولا نعرف أنها أتون نضع فيه كميات كبيرة من الجمر لكي تلتهمنا في هذه الأيام. 11 سبتمبر مثلت هزة أيضًا، حرب العراق، مساندة المملكة للكويت، استنزاف المالية أو الدخل القومي أو مديونية البلد؛ كل هذه الأحداث ثمة شخصيات شاهدة عليها ولها موقف منها. المعترك الاجتماعي، دخول المرأة في الحياة، كلها مادة صالحة للكتابة. أكون مجانبًا للحقيقة لو قلت لك إن لديَّ مشروعًا ضخمًا وكبيرًا، وإنما هي مسألة شعور داخلي ينتابني عندما أريد أن أكتب، ثم أبدأ العمل. وأقول في البدء شعور ينتابني أو شخصية تلاحقني أُفرِّغ نفسي لها سنتين لكتابة ما يجول في داخلي بسبب تلك الشخصية. ربما اكتسبت الحكي من الطفولة الأولى بحكم الأساطير وهكذا. إلى الآن أشعر أن هناك كثيرًا من الشخصيات لم أستطيع أن أكتبها، وشخصيات أخرى أجد أنها طازجة وحية في داخلي. ما زال لديَّ مخزون حكائي كبير جدًّا وشخصيات مختلفة. الخيالُ الواقع! - هذا بالنسبة إلى الشخصيات التي استقيتها من الواقع. كان واضحًا في "الموت يمر من هنا" أن السرد في جزء كبير منه تدور أحداثه في منطقة الخيال وإن انطلق من الواقع، صنع عالم أو قرية وقيامها على القسوة والطغيان... الخيال كان يعمل أكثر من الواقع. طبعا في النهاية بالتأكيد هناك إسقاطات، هناك هذه اللعبة الروائية. بالنسبة إلى الروايات الأخرى كان... * يمكنك أن تقول إن "مدن تأكل العشب" منتقلة من الواقع... معاكسة تمامًا للـ"الموت يمر من هنا". - ما أقصده الحديث عن الشخصيات. أنت قلت قبل قليل إنك تستذكر أو تكتب في نهاية الأمر عن شخوص عبروا في طفولتك... * أو في حياتي الآن. - نلاحظ أن هناك شبهًا بين بعض شخصيات رواياتك، في "الموت يمر من هنا" و"الأيام لا تخبئ أحدًا" و"نباح" مثلاً. ماذا يعني ذلك على صعيد تحولات المجتمع السعودي، تحولات الشخصيات وارتباطها بتحوّلات الواقع؟ * المكان يصنع الشخوص، يترك بصماته عليهم. "الموت يمر من هنا" بيئتها مختلفة كثيرًا عن "الأيام لا تخبئ أحدًا" أو "نباح". "الموت يمر من هنا" فضاؤها المكاني قرية معزولة. - السوداء. * السوداء قرية معزولة بإرادتها أو بإرادة الآخرين. هذا الفضاء المعزول غالبًا ما تسيطر عليه الأسطورة، وغالبا تسيطر عليه القسوة، قسوة الحياة. المكان المغلق عادة لا تتجدَّد فيه التهوية، ويكون بؤرة للأمراض والفساد ومركبات النقص البشري جمعاء. أيضًا اللغة المستخدمة في الأماكن المغلقة، أو في الأماكن المؤمنة بالأسطورة، لغة تحتفل بالشعر، هي استلهام للهاجس الشعري، المواراة أو الاختباء خلف الشعري؛ أحلامهم أو حياتهم عبارة عن حلم مستمر للخروج من هذا الانغلاق، والحلم أقربُ التعبيرات إليه لغةُ الشعر، وبالتالي تجد في "الموت يمر من هنا" لغة شعرية تحاول أن تعبر عن المكان بالصياغة الشعرية، أو بصيغ الكُهَّان، سجع الكهان، بالترنيمات، بالشيء الخافي غير الملموس، بينما تجد- على سبيل المثال- في "نباح" أو "الأيام لا تخبئ أحدًا" اللغة عارية، لأن المكان انتقل إلى المدينة، والمدينة بطبيعتها عارية وتحتاج إلى لغة مثلها عارية ومستفزة وصادمة. ترتيبات الشخوص تختلف من رواية إلى رواية أخرى؛ في القرية الثقافة سمعية، ثقافة تعتمد على الموروثات، تعتمد على المحفوظات، على أقوال السحرة وتحويل كلام الزعيم إلى كلام واحد لا يُثنَّى، الخشية، الخوف، الاعتقاد بأن هذا الشخص متناسق في كل الأزمان وكل الأماكن. هذه الأمور كلها كانت تسيطر على الشخصيات وتصنع منها شخصيات وإن كانت مشاكسة أو قلقة فهي شخصيات قلقة تحت سطوة هذا القويّ، وأيُّ خروج عن هذه السطوة يقوم به نفر أو نفران، ويتم التعذيب والإسكات، كما حدث مع "أبو شبرين"- على سبيل المثال، فعندما خرج "أبو شبرين" خارج القرية اكتشف أن هناك عالمًا أجمل، حياة جميلة، وعندما عاد ليبلغ الناس أن خلف هذه القرية حياة أخرى وناسًا آخرين، بحرًا، وشمسًا، وناسًا يتحدثون في جميع المجالات ولا أحد يمنعهم، عودته- "أبوشبرين"- إلى المغلق أدخلته في المغلق. - من جديد. * من جديد لأنه أصبح مسجونًا. في "الأيام لا تخبئ أحدًا" أو في "نباح" المدن يُفضي بعضُها إلى بعضها الآخر، وبالتالي تجد شخصيات تنساب كالمياه، تتحرك وفق قوة الدَّفع، تجدها هنا وهناك، قد تحمل ثقافة مغايرة لكن هذه الثقافة أيضًا ثقافة لا يُعتدُّ بها، ثقافة السَّقَط، ثقافة الهامشيين، وبالتالي يُعتبر الصراخ هو التعبير الوحيد الممتلك في حياتها. عندما يصعد هذا الصراخ إلى الأعلى يتم الزج بهؤلاء الشخوص في السجن. وعلى سبيل المثال تم تنفيذ القصاص في أحد أبطال "الأيام لا تخبئ أحدًا" أمام الناس؛ ميتة بشعة وحزينة. - وهذا ما يقع في السعودية بالضبط. * هو واقع في الواقع الاجتماعي أو الواقع الموجود عندنا لكن الموضوع أنْ تُصوِّر مشهد القصاص واجتزاز رقبة هذه الشخصية التي تعتبرها كل الشخصيات بريئة، هذه البراءة التي يحملها له الأصدقاء والأقربون وفي الأخير يقع تحت سُلَط سامته سوء العذاب، والثأر للكرامة العربية والثقافة العربية التي رسَّخت فينا أن الرجل لا يُمسّ وهذا الرجل مُسّ فأراد أن يثأر لكرامته. وأنا أتصور أن هذه شخصية مهشَّمة نفسيًّا بسبب الواقع الاجتماعي الضاغط عليها، وبالتالي تعبيراتها تأتي عنيفة لكون الضغط- ضغط السُّلط عليها- قويًّا أيضًا، سواء السلط الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، فحتى الاقتصاد يتحول إلى سلطة. أنا أُجاري الشخصية؛ لا أجاريها بمعنى أنقاد لها لكني أتبنى آراءها في محاولة لإظهار أن كثيرًا من الشخوص التي تبدو مجرمةً لها عذرها في أحيان كثيرة، أو التي تبدو سارقة لها عذرها الاجتماعي، أو التي تبدو مخذولة... - ربما لأن الشخصية هنا واضحة بما يكفي للقارئ بما يعتمل داخلها حتى إن كانت شخصية شريرة. * نعم، لكن حتى شريرة، لا لا؛ الإنسان لم يُولد شريرًا لكن نحن نصنع المجرمين، كلٌّ منا يصنع أو يساهم في خلق مجرم، حتى على مستويات أخرى، فعندما يكون الإنسان نزيهًا... أو دعنا نستخدم كلمة مناضل أو مطالب بحقوق الناس، هذا إذا زج به في السجن تُسقط عليه كل التهم بالرغم من أنه كان يدافع عن بشر كثر ويطالب بحقوقهم. دخوله السجن من قبل المجتمع إشارة إلى أنه فاسد، وهذه النظرة القاصرة للأمور بالنسبة إلى المجتمع كثيرة. من منا يُثبت أنه ليس مجنونًا؟ كلنا مجانين بنسب مختلفة. دخولك مستشفى الأمراض النفسية ليس دليلاً على أنك أنت المجنون الوحيد؛ ثمة مجانين آخرون في الخارج. الرواية تغوص... أنا مغرم كثيرًا بالغوص داخل النفس البشرية، أو الغوص في هذه النفس التي أتحدث عنها. عائدٌ من الموت - نسمع ونقرأ بشكل مستمر عن مهام تُناط بالأدب، بالكتابة، وبالرواية. ما رأيك في هذا الأمر: أن يصبح للأدب أو للرواية تحديدا مهمة ينقلها الكاتب إلى القارئ، أو أن يصبح الكاتب صاحب هذا الدور؟ * أشياء وأمور كثيرة ملتبسة في حياتنا الثقافية. هل هذا القول يعني أنني بالضرورة أحمل قيمة اجتماعية أوصلها للآخرين؟ قد يوصل السياق العام للرواية إلى هذا الأمر. الرواية ليست شخصًا واحدًا؛ هي مجموعة شخصيات تقدم تناقضات المجتمع وصراعه وبعضه بعضًا، تقدم احتدام هذا الصراع، تقدم "الإيمانات" المتعددة لكل فرد في الرواية، وهناك الرافض، والقابل، والمؤمن ، والملحد، والخيِّر، والشِّرير. هذه النفوس المتصارعة داخل العمل تريد أن تخلق حالةً ما داخل الرواية، ربما تكون مقدِّمة لأشياء لكنها ليست مستهدَفة؛ أنا لا أستطيع أن أكتب رواية عن محاربة المخدرات، أو رواية عن تخفيض مهر الزواج. المسألة لا تأتي هكذا؛ تأتي في ظل احتدام داخلي. مشكلة الشخصيات جميعها أن لديها نوعًا من الشك في كل شيء، وهي أشبه بالباحثة عن الحقيقة، وكل شخصية تتبنى آراء مختلفة قد تكون في صدام مباشر مع المجتمع في سائده وثوابته. أيضًا هذا الثابت كيف تحرِّكه داخل الرواية؟ في أوقات معينة تكون شخصية ما ثابتة طوال الأحداث وفجأة تنفجر عن أشياء داخلية لا يمكن أن تتصور أن هذه الشخصية السوية تحملها. الرواية عندما تقرأ يستطيع كل قارئ أن يأخذ منها ما يريد، ربما يقرأ للتسلية، آخر يقرأ للبحث عن صورة المجتمع داخل الرواية، أو يبحث عن نفسيات الأبطال، أو يبحث كيفية تحرك البلد من خلال شخوص الرواية، أي أن الرواية لم تعد تلك الرواية المكتوبة للتسلية، إنها تحمل في داخلها كثيرًا من سمات المجتمع تريد أن تقدمها للآخر. أنت كروائي ربما تنجح وربما تفشل لكن في الأخير ثمة قارئ آخر يتماسّ معك، ربما يصل إلى أشياء أنت لم تقصدها لكنها كُتبت أثناء اللاوعي، واللاوعي لا أقصد به أن تُكتب الرواية أثناء الهذيان؛ أقصد أن كل كلمة معبأة بمخزونها الثقافي، وأنت تكتب تخرج الكلمة محمَّلة بمعتقداتها الأولى من مخزونها الأول، وبالتالي تتشكل في ذهنية القارئ وفق ثقافته، وهذا ما نطلق عليه "تعدُّد القراءات"- على سبيل المثال. - قلت إنك تلاحق الشخوص وهكذا تمضي في كتابة الرواية. سؤالي بالتحديد عن شروعك في كتابة الرواية؛ هل يتم هذا عن طريق تخطيط معين؟ * بالنسبة إلى تجاربي التي وصلت إلى سادس تجربة ألاحظ أن شخصية واحدة تلاحقني، بمعنى أن هناك شخصية في كل رواية؛ في "الموت يمر من هنا" كانت الشخصية التي تؤرقني هي شخصية السَّوادي، شخصية السيد، المسيطر، الدكتاتور، كانت تلاحقني وتظهر في كل مرة، وعندما شرعت في الكتابة عن السوادي تناسلت هذه الشخصيات كلها. في شخصية "مدن تأكل العشب" كان يطاردني يحيى (يحيى الغريب) بطل الرواية. في أثناء الكتابة تنفجر شخوص أخرى، حالات أخرى موازية أو متفقة أو متضادة. في "الأيام لا تخبئ أحدًا" كانت شخصية عبدالله (أبو حية) تتابعني. في "نباح" كانت تتابعني وفاء. وفاء كانت تتابعني بشكل ملح. في "فسوق" كانت مؤسسة هيئة الأمر بالمعروف هي التي تتابعني. الشخصية تحمل تاريخها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والنفسي، شخصية تخلق أجواءها المتعددة، وبالتالي عندما أبدأ في الكتابة أُعنى كثيرًا بالشخصية التي طاردتني، أستحضرها كما يتم استحضار- وإن لم يكن هناك وجه تشبيه- استحضار العفاريت. عندما أستحضر الشخصية الأولى تأتي الشخصيات الأخرى وفق مكانها. - في رواياتك نجد إحالات وفضاءات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. هل تلجأ إلى البحث والمعلومات من أجل استكمال الصورة؟ * البحث يأتي تاليًا للكتابة، بمعنى أنني في "الموت يمر من هنا"- مثلاً- تعبت كثيرًا في البحث عن العملة وأجزائها في فترة معينة، فقد كانت المنطقة الجنوبية في المملكة العربية السعودية تستخدم عملات مختلفة. أيضًا بحثت عن الأزياء... - تقوم بهذا البحث بعد الانتهاء من الرواية فقط؟ * نعم أو حتى في أثناء الكتابة. تشعر أن هناك أجزاء ناقصة لا بد أن تدعم ببحث أو سؤال كبار السن، نوعية اللباس والأشياء المستخدمة، هل تستخدمون الذهب أم الفضة؟ السيدات كن يستخدمن الفضة، اللهجة كيف تنطق؟ لأنها تختلف من قرية إلى قرية، الجانب الوثني في "الموت يمر من هنا" وفترة استمراره؛ كيف تذهبون إلى زيارة القبور؟ ما الأقوال التي تقال عند السيل؟ أمور كثيرة. على سبيل المثال أيضا في رواية "مدن تأكل العشب"؛ أنا من مواليد الثورة اليمنية في 1962 و"مدن تأكل العشب" تتحدث عن الحرب اليمنية السعودية، كنت محتاجًا إلى أن أسأل، أذهب إلى جيزان أكثر من مرة لأن جيزان ليست مدينة لكني أسأل لأعرف أين كانت "الضربة"، نوعية المواد المستخدمة، الحيل التي استخدمت للضرب، البدر أين كان في جيزان؟ الجيش السعودي من أين تحرك؟ الجيش اليمني من أين تحرك؟ بناء المكان أيضا هل هو "عشة" أم مربع أم... أكبر جزء بحثي قمت به كان في رواية "الطين". "الطين" دخل في كتابتها أساتذة أكاديميون سجلتُ أسماءهم الحقيقية وشاركوا في كتابة الرواية. رواية الطين - بأي معنى شاركوا في كتابة الرواية؟ في النهاية رواية "الطين" منشورة باسم عبده خال. * بعثت إليهم بمعضلة البطل فشاركوني في حلها، بمعنى أن البطل كان طبيبًا نفسانيًّا ولديه حالة مريض يراجعه ويقول له: أنا توًّا عدت من الموت. ويؤمن الطبيب بأن هذه الشخصية عادت من الموت. في البداية لا يصدق لكن المريض يسحبه في الظهيرة ويرقص معه تحت الشمس ويقول له: انظر؛ فيكتشف الدكتور أن البطل بلا ظل! وهكذا يبدأ في تبني قضيته، ويراسل علماء النفس، والأسطورة، وعلماء الاجتماع. ثم يحضر البطل جلسات جن! أنا حضرت أربع جلسات جن خرجت في إحداها. لأنني أدَّعي أنني... لا، لا؛ القصة أن البطل مصر أنه للتوِّ عاد من الموت، أي أنه مات وعاد من الموت. من أجل كتابة هذه الرواية حضرت مجالس تحضير وإخراج جن شارك فيها شيوخ؛ تَعَبُ البحث يأتي تاليًا للكتابة، بعد الشروع فيها أو في أثنائها عندما تبدأ في مواجهة المصاعب. أوغادٌ وكلاب! - قلتَ إن الشخصية تطاردك ومن خلالها تتناسل الشخصيات الأخرى والأحداث، مع هذا هل بعد اتضاح المعالم الأساسية أو الرئيسة في الرواية (الشخصيات والأماكن...) تعيد غربلة الأوراق أو خلطها من جديد؟ فعلى سبيل المثال في الصفحة الأولى لهذه الرواية التي بين أيدينا (نباح) هنا عالم يبدأ، بمعنى أن هذه الصفحة تخلق الجو العام للرواية... فيها- مثلا- الراوي وطائرة ومدينة وشخص آخر. هذه تفاصيل فيما بعد تتفرق... * تعاد. - نعم. كيف يحدث هذا؟ * الرواية لديَّ لا تكتب بشكل واحد، لا تكتب بالتنظيم الذي تذهب به إلى النشر. كانت تعنيني "وفاء" في هذه الرواية. عليَّ أن أقول أولاً إن رواية "نباح" كانت مجرد مذكرات لي في مدينة صنعاء غبتُ عنها ما يقارب خمس سنوات، ثم عدت إلى تلك المذكرات فوجدتها طازجة، شعرتُ بأنها ما زالت حية. حرب الخليج أدت إلى تمزيق العُرى بين الناس البسطاء. "وفاء" رمزٌ لكثير من الناس الذين غادروا البلد وهم يشعرون أنها بلدهم، وذلك بسبب حرب سخيفة انعكست على حياتهم فغادروا المكان. - تقصد مغادرة اليمنيين السعودية بعد أحداث حرب الخليج الأولى... * نعم. المحيط الذي ذهب إليه الراوي محيط التقاء دولي. المستهدف "وفاء" لكن وجد الراوي أن هناك أهم من "وفاء"، وجد أن الشخصيات- وأنا دائما أكرر كلمة "المهشَّمة"- وجد شخصيات ثقافية مهشَّمة داخل المجتمع. العالم كله يحتفل بالديمقراطية في اليمن والراوي يصطاد مشاهد محددة ليفضح هذه الديمقراطية، أو يفضح تبنِّي الديمقراطية الكاذب، كما اصطاد البطل هيلاري كلينتون، والشخصية التي تحدثت عن تاريخ السودان... هي محاولة لمحاكمة الأنظمة العربية في جلسة من قبل ممثلين لهذه الدول منهم صحفيون ومثقفون، وبالتالي يتَّضح أن كل شخصية لا تقبل بك ولا تقبل بنظامها، فهي شخصية تُراوح أيضًا بين الضياع وبين الحلم، ثم إنَّ انتهاء أو غياب "وفاء" في الرواية انقلاب، وبمعنًى آخر إنَّ تدنُّس هذه الشخصية الطَّاهرة هو تدنُّس سياسي، هو عقر سياسي للأفراد والأنفس؛ ربما استطعنا ببساطة أن نقول إن "وفاء" حبيبة وانحرفت ووو، لكنْ عندما تقرأ المحتوى الذي أدى إلى انحراف "وفاء" ستكتشف أنهم كلهم كانوا معقورين؛ العقل معقور والبطن معقور والفَرْج معقور؛ عقل متخلِّف وبطن جائع وفرج بدأ يمتهن البغاء، يعني أن ثمة عقرًا كاملاً لهذا الإنسان بجميع مستوياته العليا والدنيا والسفلى، سيطرة الجانب الاقتصادي على حياتنا وتحويلنا عاهرين. "وفاء" عاهرة بجسدها لكن الذين مثَّلوا مؤتمر الديمقراطية الناشئة والمعنيين به يُمثِّلون العهر السياسي حقيقة، فهي صورة مقابلة للزَّعامة الديمقراطية أو توزيع الديمقراطية على العالم العربي. - وما دلالات مفردة "نباح" هنا؟ * استخدمتُ هذه المفردة المستفزِّة لكون الكلب أداةَ الصوت أو المنبه عند العربي، وبالتالي عندما يَصْدُرُ"نباح" فذلك يعني أن ثمة خطرًا في البيت، فهي "نباح"، وتكملتها الإهداء: إلى كل أوغاد العالم لعنة كبيرة. - دعنا نتحدَّث عن هذا الإهداء تحديدًا الذي تُصدِّر به رواية "نباح"؛ بعيدًا عن الخلط بين ما يكتبه الكاتب وبين ما يكتبه ككاتب، بمعنى آخر بين الكتابة الإبداعية وبين السيرة الروائية؛ في "نباح" شخصية البطل صحفي وأنت صحفي والإهداء الموقَّع باسم عبده خال يتماهى تماما مع أحداث الرواية ("لكل أوغاد العالم لعنة كبيرة"). مبدئيا هل يمكن قراءة "أوغاد" على أن المعني بهم العشَّاق؟ * لا، لا. - انطلاقا من قصة وفاء. * لا، لا. - "لكلِّ أوغاد العالم لعنة كبيرة". كلمةٌ منبسطةٌ وأخرى قاحلة * محتوى الرواية يترك فضاء... كانت وفاء وسيلة للوصول إلى هذا التهشيم، هي رمزية العقر النهائي: الوصول إلى الجسد، لكن قبل ذلك تم عقر العقل وتم عقر الثقافة. محتوى الفضاء المكاني لم يكن المدينة؛ كان الفضاء هو "مؤتمر الديمقراطيات الناشئة". لو لاحظت كم من الكلمات التي دُلقتْ! كم من الشخصيات التي ظهرت: على مستوى رؤساء، على مستوى وزراء كانوا متواجدين في النص. الراوي يقدم اللقطات ويُعلِّق عليها. الشخوص المشاركون في صناعة الحدث أيضا... الشخصية السودانية العجيبة هذه التي تمسك بكاميرا وتعشق امرأة من خلال صورة. المسألة كلها كانت أن كل شخصية كانت وغدة، وكل شخصية سياسية بالذَّات. أوغاد العالم ليسوا صغارًا بل كبار، بدءًا بصدام وانتهاءً ببوش، هؤلاء هم أوغاد العالم، هؤلاء الذين عقروا الدنيا ولم يعقرها "الغلابة" المساكين، حتى إنهم استسلموا في الأخير وأخذوا "ينكتون" على زعماء بلدانهم. - بالنسبة إلى تقنيات كتابة الرواية دائما نجد تقنيات يوظفها كلُّ كاتب حسب اختياره. في ظنِّي الشخصي أن الحياة عمومًا ومراقبة البشر- طبعًا ليس بالمعنى السلبي للمراقبة- لكن أنت كروائي تستطيع من خلال متابعة حديث معين بين عجوزين- مثلاً- ولو من خلال... * ولو من خلال كلمة، أو وجه، أو حركة. - من هنا أنت الذي تخلق التقنية الخاصة بك بعيدًا عن التقنيات المتعارف عليها أو عمَّا هو مكتوب في الكتب... * صحيح، كما قلت؛ الروائي فيه جزء كبير من الفضول، فيه جزء كبير من المتابعة، من محاولة اصطياد الوجوه والأحداث، وبالتالي هذه كلها تتحول عنده إلى نوع من التقنية الداخلية داخل العمل. تصبح المقاربة بين التقنية والنص مقاربة يُحدثها المكان والشخصية. التقنية هي أيضا مزاجيتك وأنت تكتب، تحتِّم عليك شكلاً معينًا من المداخل، شكلاً معينًا من الكلمات؛ شكل الوجه يعطيك مظهرًا معينًا. المكان أيضًا يتحكم فيك، يعطيك انبساطه أو وعورته؛ عندما كتبتُ عن جدّة كانت الكلمة منبسطة تماما، وعندما وصلتُ الرياض صارت الكلمة قاحلة، كلمة جافَّة، كلمة مداها طويل؛ هذا لاشعوريًّا وأنت تتكلم عنها أو وأنت تكتب. التقنية يُحدثها أيضًا هيامك بالخروج من الأسر، تُحدثها أمورٌ كثيرة. ثلاث مجموعات في كتاب واحد - كنت ضيفًا على ملتقى القصة الأول في عُمان. من خلال ما سمعته و من خلال قراءاتك أو متابعاتك السابقة عن القصة والسرد في عُمان بشكل عام ما رأيك في ما هو موجود الآن، وتوقعك لمستقبلها؟ * كما تم تصدير أسماء مهمة في المجال الشعري يمكن أيضًا تصدير أسماء مهمة على المستوى القصصي والروائي. مشكلة القصة العُمانية ليست في مستواها الفني لكن مشكلتها في تواصلها مع الآخرين، تواصلها يشترط أن تحضر أو يحضر كتابها الملتقيات العربية، المؤتمرات، معارض الكتب؛ نصوصهم لا تقل مقدرة عن بقية النصوص العربية، مثلها مثل بقية النصوص العربية. لن أكون مجاملاً إذا قلتُ إن كثيرًا من النصوص في الخليج العربي تفوق مثيلاتها في العالم العربي لكن لشعورنا دائمًا بأنه لا يُلتفت إلينا وأننا نمتلك فقط آبار النفط والحياة الرغدة ينظر إلينا بدونية. وهذا الكلام أثبتت التجارب أنه ليس صحيحًا بالمعنى الدقيق، لأن الكتَّاب في العالم العربي عندما يكتشفون اسمًا أو يقرؤون لاسم عربي ويجدون فيه مادة أو فنيات عالية يُرحبون به ويقدمونه من خلال المؤتمرات والمجلات الأدبية. لا أعرف ما سبب تخوُّفكم من التواصل مع المجلات المنتشرة في العالم العربي. أعود وأقول إن النصوص التي كُتبت أو التي سمعتُها أو التي قرأت بعضها نصوص لا ينقصها كونها من عُمان، بل تتعامل معها كأيِّ نص عربي، معاملة النِّدّ، بمعنى أنك لا تحاول الانتقاص منها وتتعامل معها نقديًّا بحدِّة تعاملك مع كاتب كبير أيضا، فهي قابلة لأن تدخل في معترك النقد، وقابلة لأن تبرز نصوصها الجيدة والمتمكنة، وعلى ذلك ذلك أقول: لديكم- وأنت حدَّثتني- كثيرٌ من التفاصيل الحياتية لم يُكتب بعد، وكثير من المفاصل الحقيقية داخل البلد لم يُكتب بعد، فأتصور أن الكتابة في هذه الفواصل قادرة على أن تقدم رواية قوية جدًّا. لماذا تتركون صنع الله إبراهيم يأتي من الخارج ويكتب عنكم رواية؟ كان من الأجدر بكم أن تُحدثوا العكس: أن تُصدِّروا أنتم عُمان من خلال الرواية، وقد سبقتكم إلى ذلك سالمة في "مذكرات أميرة عربية"؛ قدمت مذكرات عظيمة جدًّا في أواخر القرن التاسع عشر. السلالة - دار حديث في "حلقة النقاش" حول "آباء الكاتب"، أو دعنا نقل: المصادر، وهناك من يُسمِّيها "السلالة"، نصًّا أو أشخاصًا؛ من هم؟ ما سلالتك الأدبية؟ * أولا لم يكن عبده خال يتوقع أن يكون في يوم من الأيام كاتبًا؛ كان يقرأ صغيرًا. كما قلت لك بداياتي كانت عن طريق الأسطورة، عن طريق الحكايات في القرية، ثم تحوَّلت إلى سماع، أيضًا في الحجاز في مدينة جدة سماع الأساطير أو الملاحم عن عنترة بن شداد، عن الزير سالم، عن الغولة، عن سيف بن ذي يزن. فجأةً وجدت أمامي كنزًا من الروايات الكلاسيكية. - كم كان عمرك؟ * كان عمري اثني عشر عامًا. قرأت "بؤساء" فيكتور هيجو، "بين مدينتين" تشارلز ديكنز، قرأت مرتفعات ويذرينج، وقرأت مدام بوڤاري، بائعة الخبز؛ هذه الروايات قرأتها عندما كنت في السادس الابتدائي. أوليڤر تويست... وجدتْ أمامي فقرأتها، لكنني لم أهيئ نفسي لأكون كاتبًا. تذكرني الآن أيضًا: أخي أحمد سافر إلى مصر وجلب لي معه "كرتونين كتب" كانت كلها لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس... لاحظ أنني قرأت أولاً "أمهات الكتب"/ الروايات العالمية المترجمة، ثم بعد ذلك قرأت نجيب محفوظ... دون تركيز. مجرَّد كتاب قدَّامي وأقرأه، وكنت أستمتع، وكنت مغرمًا بكتب التراث؛ أول كتاب قرأته منها كان "تلبيس إبليس" فيه فنتازيا عجيبة وغرائبية، ثم قرأت "البداية والنهاية"، تاريخ الطبري، قرأته في وقت مبكر، بحكم القراءة فقط. عندما بدأت أكتب، أو دخلت مجال الكتابة كتبت نصًّا قصصيًّا، ونشر لي في صحيفة، وبدأت أكتب. كانت وجهتي أو نصيحة من أحد الكتاب بألا تقرأ للعرب. - كم كان عمرك؟ * 17. 17 أو 18. - تتذكر السنة؟ * 1979 أو 1980م. أحد الأصدقاء نصحني وقال لي: لا تقرأ للعرب، أصل الرواية وووالغرب، اقرأها من مصادرها، لذلك بدأت بالأدب الروسي، ثم موباسان تعلقت به فترة من الفترات. وقتًا طويلاً جلست مع تشيخوف، مكسيم غوركي، دوستويڤسكي، توليستوي. بعد ذلك انتقلت إلى الروايات الدينية، ثم أصبحت هناك خارطة. بعد ذلك خليط من الفائزين بجوائز نوبل وهكذا، فالمسألة أتصور أنها أيضا توافقك مع من تقرأ لهم، يعني، على سبيل المثال، ما استطعت أن أقرأ فولكنر: "الصخب والعنف" و"الأمل"، لكني تفاعلت مع كتَّاب آخرين. - لم تستطع قراءتها تقصد أنك لم تكمل الرواية أم ماذا؟ * أكملتها تحت الضغط، لأنها كانت مقرَّرة علينا في الجلسة لكنني لم أقرأها بعد ذلك. وجدت نفسي لا أستطيع أن أتواصل معها. أجد أنه مهمٌّ جدًّا للكاتب أن يكون كل شيء أستاذًا له، حتى الجماد يصبح أستاذًا إذا ركَّزت فيه وتأملته جيِّدًا يمكن أن تخرج بشيء جديد. الصورة الفوتوغرافية في المجلة، الصورة التشكيلية، الناس الجالسون هؤلاء، الكلام ممكن أن يكون أستاذًا لك. أنت تحدثني عن جزء من حياتك أنا تمنيت أن أكتبها، فكل شيء تستطيع أن تحوله إلى كتابة متى ما خلقت عمقًا فكريًّا للقصة التي تريد أن تكتبها. قرأت 182 مرة
( تصنيفات: ثقافة أدب فن )
هذه مقاطع من رواية "نباح" للروائي عبده خال: "ليل بطيء، والأيام تركض مسرعة. لا شيء يجاورني سور استعجال ظهور النهار. ولا شيء يحرك هذا الركود سوى سيل أخبار قناة الجزيرة، هذه النافذة التي انفتحت في بيت مظلم، لنكتشف نحن العرب أن بيننا خرابة تسكنها خفافيش ليلية لا تعرف التحليق إلا في الليالي، تخرج لتمتص دماءنا في غفلة منا وتتعلق في قلوبنا بقية النهار، قناة فتحت علينا صنبور المياه الآسنة دفعة واحدة، وفي كل بيت كان عربي يخلع ملابسه الداخلية، ويقف عاريا، وضحكته القديمة تتكسر في مسامعنا وعلى شرفات أبصارنا.ظل أبي أسيرًا لجمال عبد الناصر، يقول إنه لم يمت موتا طبيعيا فالموساد قتلته وأوعزت لأمريكا بتثبيت عميلها أنور السادات. كنت صغيرًا حينما كان أبي يبصق في اتجاه التلفاز، وعندما أرادت أمي تهدئته طردها من أمامه لتغيب عن بيتنا لجمعتين متتاليتين، وحين تورط في رعايتنا كان يشتم اسمًا محدَّدًا.. هذه المعرفة لم أتحصن بها حين شتمت أمامه جمال عبد الناصر، ولولا شفاعة صديقه الوردي لتركني أهيم في الطرقات من غير أن يسأل عني. في غرفة نومه وضع صورتين: صورة جمال عبد الناصر وصورة الملك فيصل. بعد حادثة الطرد غدوت أسترق السمع إليه وهو يتعارك مع صديقه عثمان الوردي حول الأخبار التي يسمعانها: - لو بقي هذان الزعيمان حيَّين لما حدثت كل هذه الكوارث. ويشتط غضبا من صديقه كلما هوَّن من حماسه، فيعيد جملته بعناد مبالغ فيه: - أقول لك لو بقيا حيَّين لما حدثت كل هذه الكوارث. يتذكرهما في كل حادثة عربية، تذكرهما في كامب ديڤيد، وفي اجتياح بيروت، وفي غزو العراق للكويت. وعندما ظهرت قناة الجزيرة جلس أمام مذيعيها أيامًا طويلة، بعدها أنزل صورتي: جمال عبد الناصر والملك فيصل من غرفته، وقذف بهما في مخزن لا يفتح أبدًا، وجلب عاملا ليعيد صباغة غرفته بسبب لونين فاقعين لبقعتين ظلتا بارزتين مخالفتين للون الغرفة، كانا أثرا لصورتي الزعيمين اللذين اختفيا من غرفته تماما". علِّق |
استطلاع رأيحملة خاصة بمنظمة العفو الدوليةأحدث التعليقات
الفعاليات
Live Discussions
ابحثهيومان رايتس ووتش
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
فصل من رواية جديدة لعبده خال عوانها (الهنداوية)
في شارع الحب تفوح روائح الصبايا, وتزهو أحلام الشباب
بسم الله الرحمن الرحيم
-رسالة
أيها الاصدقاء الأعزاء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أين أنتم؟
وماذا حدث حتى غدونا غرباء عن بعضنا بعضا؟
اليوم خطوت بشارع الحب. هل تذكرون ذلك الشارع الذي كانت تفوح منه روائح الصبايا, وتزهر على جنباته أحلام الشباب؟ لا أظن أنه اندثر في مخيلتكم, حتما الآن يقفز في أذهانكم كما تركناه:
شارع متعرج بانحناءات متموجة تخبئ اجسادنا الصغيرة حين كنا نرشق حبيباتنا بكلماتنا او رسائلنا الملتهبة بلوعتنا, هناك نبتت ضحكاتنا وتوهجت ايامنا الاولى, لن أواصل تذكيركم به, سوف أكدر عليكم, واذكر لكم ما أحدثته السنين به, وقبلها اقول لكم:
ان السنوات التي عبرتنا وغيرت -بلاشك- اشياء كثيرة فينا, قامت بنفس الدور وعبثت بملامح هذا الشارع, غدا شارعا ذابلا رطبا تجري به المياه الآسنة, والاقدام تعبره كاشفة عن ساقها, وايديها منشغلة بإغلاق انوفها.
لم تعد هناك حبيبة تتعلق بالروشان وترمي بصرها في الطرقات في انتظار ممشى حبيبها.. شارع استنفد كل همساته التي ادخرناها بجنباته, وغدا مجرى للمياه المتقطرة من أجهزة التكييف, او الزاحفة من بالوعة فقدت غطاءها فسربت نتنها لتربته, غدا شارعا فقيرا ومبضعا تعرض فيه سلع الهنود والبنغلاديشيين والافارقة.
تختلط فيه الروائح كما تختلط اللكنات الاعجمية, يتوسد حضنه باعة قدموا من اطراف الدنيا يتوسدون ذكرياتنا, شاهدت أحد الافارقة مستندا بظهره على اسم آمنة, تلك التي كان يكفيها ان لاينام شباب الحارة قبل ان يدسوها بين ضلوعهم علها تهبط كفراشة موسمية على قلب نبض بها حتى تمنى ان يقف ليلثم ثغرها وبعدها يقف فيه ذلك القلب.. بقيت اسماء كثيرة تجاهد للبقاء على تلك الجدران الحائلة.. وعلى كل جدار عبث ما, القاطنون الجدد لايعرفون اسماء حبيباتنا اللاتي كنَّ يعطرن اطرافه ويتوارين في حضنه للحظة لقاء عابرة, ينخن تحت وطأة حمولة شوق تربى في الحنايا فقادهن كالنوق الحمر الى مورد ماء صاف.
همهن تسلم او تسليم رسالة كتبت في ليال طويلة سهدت المحاجر, واستجلبت آهات مبرحة, رحلنا نحن, ولم ترحل الاسماء..
بقيت اسماؤنا تلوح كغيمة صيف يشتتها الهواء الهارب من رطوبة البحر.
الباعة اليوم لايجوبون ازقة حارتنا اكتفوا بدكان صغير تفوح منه زيوت وتتطاير منه ابخرة قلي البطاطا والمعفش, والذين يجوبون دفعوا عربة حملوا بها معلبات غذائية واستندوا على تلك الجدر (وكأنهم يتعمدون مسح ذاكرتنا بارديتهم الغامقة)..
ليسوا كالباعة الذين جابوا منحنياته حينما كنا نخط بارجلنا قصص حب محمومة, ثمة فرق.. أولئك الباعة الذين عرفناهم لم يعودوا هنا, ليس بينهم حمامة, او صنوجة, او العم يوسف, او شرشفو, لم يعد هناك اثر لخطوات الباعة القدامى واصواتهم, ذهبوا معنا, التهمتهم السنوات والموت والنسيان, هربوا داخل الدنيا كأبخرة المصانع التي تتلاشى في السماء, تتلاشى عن اعيننا وتبقى تائهة في فضاء متسع, ولم تعد هناك اشجار اللوز الهندي والبجري التي كانت مهبطا للعصافير ولصناراتنا المعوجة بنهاية جريد النخل, نفرت البهجة من هنا كما تفر الاغاني العذبة من حنجرة خشنة.
غابت الوجوه, في رحلة سفلية.. حياتنا نتبادلها مع الاخرين, وحين يذهب احدنا يبقى نتفا من الحكايات في دواخلنا.. يبقى حكاية نستلهمها حين يداهمنا عصف الحنين.. نحن حكايات متقطعة وموزعة في الصدور.
تذكرون (بباي), ذلك الكناس الذي بهرنا بسيره على يديه لمسافات طويلة فإذا مللنا من تتبعه عاد الينا ممسكا انفه بابهامه وسبابته ليصدر صوتا شبيها بصوت (بباي), لقد ترك رسالة هنا ومضى, رسالته: بقاء القمائم مكدسة على الابواب من غير ان يستنكف عمال البلدية من رفع عورة البيوت التي تدس بين اطنان القمائم.
مات الاسطى, ومعه كل أولئك الذين يقفون في مرمى الحارة لتفتيش القمائم واخذ مايمكن ان يعرض في حراج الخردوات.
احرقتني اللوعة, وجاهدت نفسي مرارا كي انسى وجهها, ضحكتها, خطوتها, لفتتها, وكلما هربت منها قفزت عبر الاغاني وعبر الرسائل التي تنام في درج مكتبي, مضى على فراقنا خمسة وعشرون عاما, ولم تمت في الذاكرة, كما ماتت طفولتنا, وذكرياتنا, خرجت استنشقها في هذا الشارع القابع في حنايا الضلوع علني اجد شيئا منها نسيه الزمن ولم يمحه كما فعل بهذا الشارع.
اوقفت سيارتي بجوار محطة ابو الجدايل وترجلت, مخترقا الحي من آخره, كان دخولي مفاجأة لبعض من لايزال قاطنا هناك بين النسيان والتذكر قابعا كسمكة وضعت على صاج شح زيته فنضج طرف منه وبقي طرفه الاخر نيئا.. استقبلني موسى فاتحا ذراعيه ودس عظامه في حضني شممت رائح قديمة تفور من جلده, لازال ذلك الطيب الذي تجمعه والدته من عطور شعبية متعددة نديا في ملابسه.. كنت اخشى ان يسحبني صوب الذكريات, تملصت من بين ذراعيه على وعد ان نلتقي قريبا.. تركته معلقا يده اليمنى على ذقنه متحسرا اهمالي لدعوته في مشاركته كأس شاي في بيتهم الذي كان على وشك السقوط منذ عشرين عاما ولا اعرف كيف بقي متماسكا للان.
موسى يحفظ القابنا جميعا, ويعرف حكاية كل نبزة التصقت بنا (سيكون مدعواً بينكم).
لازال الحي يضج بالاجساد والاصوات.. اجساد صنعها الحي ليواصل حياته, الشوارع كائنات حية تتأقلم كي تعيش, ربما تمتلك حنينا طاغيا لمن سقطوا من اغصانها لكن عليها ان تواصل انتاج الثمار لتبقى حية!!
انطلقت من الجهة الخلفية, عابرا زقاق (ابو ليلى) حيث تنام سيرته على طلق ناري ايقظ الحارة ولم يمكنهم من ايقاف طلقته التي استقرت في صدر زوجته, كان الشباك قد قرب من الارض فمكنني من رؤية غرفة غدت خربة ليس فيها سحر وفتنة فاطمة.. لم يكن هناك اسعاف لينقذ سحر تلك العينين من اغماضتهما..
اطللت على شارع الحب..
حين خطوت به فز من مماته وافاق ينفض عن كاهله اصوات الباعة, ويمسح عن جنباته بصقات التنبول والقورو, كانت تقف بيننا اقدام عابرة وهامات موغلة في الغربة, واجساد منهكة.. تلهف لخطواتي وحوطني بذراعيه وغنى اغانينا القديمة.. ترنم بها.. كان يشدو لحين ويتراجع حين تخذله ذاكرته, نسي كثيرا من مقاطع الشوق التي رددناها بين جوانحه, يتعتع بلثغة ثقيلة كأبكم يتعلم نطق حروف الهجاء بعسر, يتذكر مفاصل الاغاني وحروف لكلمات مهجورة تسيل من فمه مكسرة ذائبة.
..ايه والله, نهضت ذكرياتنا دفعة واحدة, وفز من مرقده محتفيا بعبوري, اخرج لي مواضعه القديمة فتح البوم صوره, كأنه كان ينتظر اولئك الذين التقطوا صورهم على جذعه وحلوا من غير ان يعودوا لحمل صورهم.
..هنا جلست مريم
..وهنا ضحكت ياسمين حينما لحق بها الفأر
..وهنا وقعت سمية وهي تلعب بارجوحتها
..وهنا استنفر ذنب الحمار
..وهنا طبب ابو رأس شجه الغائر
..ومن هنا انطلقت الحارة بحثا عن رشيد الحيدري, وهنا وهنا
..كنت التقط تلك الصور التي سكنت في اعماقنا ومضينا بها, هي اطياف نعيدها
!!لمواقعها حينما نقف على مراعي الصبا, لم يعد اي شيء في مكانه
ألا يؤسفكم هذا ؟
انتهى الاقتباس
مي عبد المولى