الرجل الذي لم يحلق "شنبه" ثلاثين سنة!

نشره saltowayyah يوم أرب, 2008-04-23 00:52.

شنب حافظ على تربيته ثلاثين سنة

شنب عمره ثلاثون عامًا

 

في شارع المعارض، أحد أشهر شوارع مدينة المنامة، الشارع المليء بمحال الحلويات وفنادق "الأربع نجوم والثلاث" الشبيهة بفنادق ديرة في دبي، فجأة، قرابة الثانية والنصف ظهرًا، حين كان كبد السماء عبارة عن جحيم ينصب على الأرض، وفي غمرة أخبار مزعجة وأخبار حزينة وأخبار يصبغها الدم وأخرى شخصية لا معنى لها وسط كل ذلك الاختلاط الذي يغلي في الدماغ، في تلك الساعة وذلك المكان، وبينما كنتُ أنعطف نحو فندقي البائس، فجأةً رأيتُ التمثال.
في البداية ظننته تمثالاً، لأن شاربيه بديا غير معقولين على الإطلاق، وعندما اقتربتُ منه ازدادت دهشتي وطار كل ما في رأسي؛ كان يجلس على مصطبة عالية أمام محل "مساج" تايلندي بجواره هندي اتضح فيما بعد أنه بائع البقالة الملاصقة.
هل هذا تركيب؟ سألته مشيرًا إلى أحد طرفي شاربه، فبدا عليه الضيق وحدجني بنظرةٍ مُستفَزَّة، وأجاب على الفور: لا.
- كم سنةً ربَّيت هذا الشنب؟
- ثلاثين سنة- قال والعرق يسيح على جبهته ووجهه.
كان يضع بعض المواد الكيميائية لتثبيت الشاربين وتصليبهما ورفع نهايتيهما كقرنين؛ ولطولهما لا شك أن تلك المواد وحدها لم تكف فشدَّهما من منتصفيهما بخيطين ثبتهما حول أذنيه. رأيت دمًا على أذنه اليُسرى من أثر الخيط الذي بدا كالشفرة وهو يلتفُّ حولها.
- كيف تنام؟
لم يرد. مؤكد أنه لا ينام مثلما ينام جميع الناس وإلا "تكسَّر" الشاربان وضاع مجهود ثلاثين عامًا. كان هذا تفكيرًا ساذجًا كما سيتبين لاحقًا، والأرجح أن الشمس المتعامدة فوق الرؤوس خلطت كلَّ ما في الدِّماغ. كان الأهم هو الوصول إلى غرفتي بالفندق لكن الشنب لخبط الأمور.
بثلاثة دنانير- قال وهو يشير إلى آلة تصوير وضعها بجواره على المصطبة- الصورة بثلاثة دنانير. غلت ثانية الأخبار والأفكار في رأسي. سجَّلت رقم هاتفه النَّقال، ووعدته بالعودة غدًا لأنني مشغول جدًّا الآن. ما اسمك؟ سألته وأنا أسجل رقمه في هاتفي. تحدث بعربية مكسَّرة صعبة الفهم، وفهمت منه أن عليَّ تسجيل الرقم باسم "شنب".

 

وقفة تليق بالشنب الفريد

وقفة تليق بالشنب الفريد


في اليوم التالي ذهبت في جولة سريعة إلى بعض المزارات السياحية البحرينية، ومن أجل بعض الضرورات تواصلت هاتفيًّا مع الصديق الرائع عيسى الغايب نائب أمين عام جمعية حقوق الإنسان البحرينية، ونسيت الاتفاق الذي بيننا بدافع من الانشغالات التي يبدو أمرٌ كهذا لا داعي له أبدًا في خضمِّها، لكن الشمس، من جديد، كانت بالمرصاد، فبعد خروجي من أحد مقاهي الإنترنت في الشارع نفسه، والشمس تواصل مهامَّها المعتادة رأيته في الطرف الآخر حيث لا بد أنْ أعبر متَّجهًا إلى الفندق؛ كان هناك في الشارع المعرَّض تمامًا لسياط الشمس، ولأنَّ اتفاقًا كان بيننا منذ الأمس، ولأنه سيراني أعبر أمامه، وكي لا أكون هازئًا بشاربه الذي ربَّاه ثلاثين سنة، أخرجت هاتفي واتصلت به، ورأيته يُخرج هاتفه من جيبه ويقربه من أذنه ويردُّ. أنا هنا في نفس المكان الذي التقيتك فيه البارحة- قلت له بعربية مكسرة كي أستطيع التفاهم معه! ولم يبد عليه أنه فهم شيئًا، إلا أنني فهمت أنه يريد القول إنه ينتظرني في نفس المكان! أنا هنا وراءك، تعال هنا لو سمحت لأن الشمس هناك حامية وهنا ظلّ! أردت قول هذا بتلك الطريقة الخاصة التي أسَّستها العمالة الهندية عبر وجودها الطويل في الخليج على الرغم من أن صاحب "الشنب" تركي. وفي اللحظة التي التفتَ فيها إلى الخلف ورآني كنتُ قد بلغت بقالة الهندي، وكان هذا خارجًا من دكانه، فناولته هاتفي وطلبت إليه أن يطلب إليه المجيء إلينا، مشيرًا إلى الطرف الآخر من الشارع.

قلتُ له إنني لا أريد صورة بآلة التصوير الخاصة به، وإنني سألتقط له عدة صور بكاميرتي. لا بد من رفع السعر في هذه الحالة؛ قال بتلك اللغة الصعبة الفهم. حسنا. توجَّه نحو الشارع وحسبته سيقطعه إلى الجهة الأخرى مرة أخرى، وناديته، إلا أنه واصل المشي ثم وقف واستدار ووضع يديه على خصره متَّخذًا هيئة مصارع، ومن صدره المكشوف عبر عدة أزرار يتعمد تركها غير مزررة بان شعر صدره الكثيف وسحب منه "خصلات" نحو الخارج، وأشار إلى أنه مستعد لالتقاط الصور!
ولأن شاربه فريد من نوعه ليس في المنامة فقط بل في العالم أجمع كان جميع ركاب السيارات المارة خلفه والعابرون أيضًا يلتفتون إليه، ومرت سيارة شرطة رفع أحد شرطييها يده صوبي كي أكف عن التصوير ريثما يمرَّان، وتوقفت هنيهات، ومرَّا، وعاودت التقاط الصور، ثم طلب منِّي التركي أن أسلِّم الكاميرا لصديقه الهندي وأذهب إليه ليلتقط لي صورة معه.
بعد ذلك صورت معه ونحن جالسان بجوار المحل، ولمَّا حان نقدُه حقَّه، وكنَّا قد اتفقنا على خمسة دنانير، لم يكن لديَّ سوى عشرة دنانير ناولته إيَّاها كي يرد إليَّ الباقي، فخطفها ووضعها في جيبه، وقال ما معناه إنني التقطت صورًا أكثر من اللازم وإنه ليس هناك باقٍ! لن تصلح إلا صورة أو صورتان من هذه الصور؛ قلت له ذلك. لا لا هذا لا يصير؛ قال شيئًا من ذلك القبيل. كان الأمر كله يبعث على الضحك الضروري في تلك الساعة كي تتحرك عضلاتُ الوجه جميعها وتزيح التجهم وقلق الأخبار المتضاربة. لا بأس، لكن عليَّ أن أُسجِّل بعض المعلومات، ولما أحسسنا معًا أن التفاهم أصبح أشد صعوبة طلب إليَّ أن نذهب إلى صديقه الذي ظننته الهندي صاحب البقالة المجاورة. مشينا مسافة مئتي متر، ومقابل نقطة شرطة المنامة كان هناك محل حلاقة دخلناه فإذا بمجموعة من الأتراك عرَّفني إلى أحدهم وكان يتحدث بعربية معقولة جدًّا وواضحة. بدأت أسأل ليقوم المترجم بسؤاله بالتركية ثم يتحدث هو بالتركية إلى المترجم ثم يقوم هذا بالترجمة إلى العربية.

 

...
...

 


اسمه ميميلي روشتو أوغلو. سمعته يقول بعده "محمد راشد"؛ قال المترجم: ميميلي روشتو أوغلو محمد راشد، معنى اسمه بالعربي محمد راشد! من منطقة قهرمان مرش التركية، بدأ يُربي شاربه منذ أن كان في الخامسة والعشرين من عمره، وهو الآن في الثامنة والستين! أي أنه يربي شاربه منذ ثلاثين سنة! ومن يراه- أي الشارب- سيصدق أن عمره قرن وليس ثلاثين سنة فقط في ذاكرة هاتفه يحتفظ بصورته عندما كان في بداية اهتمامه بموضوع حياته هذا.
لم يرب أوغلو شنبه عبثًا، فهو مصدر دخله الثابت الذي يعتاش منه وأسرته، وحسب قوله، والعهدة على المترجم، فإنه يدر عليه بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف دولار، أي أن شاربه بمثابة وظيفة متنقلة في أنحاء العالم لا تحتاج إلى مكتب ولا إلى ما تتطلَّبه الوظائف "التقليدية" المعتادة حتى من حيث الزمن، إذ إنه يعمل "طوال الوقت" أينما ذهب، ويؤكد أنه لا يطلب الناس ولا يذهب إليهم بل هم من يأتون إليه. متزوج ولديه خمسة أولاد، ويوضح: خمسة أولاد شرعيين وكثيرون غير شرعيين! ولمزيد من الإيضاح فيما يتعلق بهذا الأمر يقول أوغلو إن هناك نساء كثيرات يردن النوم معه، وهو ليس لديه أي مانع بالطبع! على الرغم من تأكيده في نهاية اللقاء أن زوجته وأولاده يحبونه بهذا الشكل ويفخرون به، مثلما هو نفسه يشعر بالفرح الغامر معهم.
للعناية بشاربه الفريد يقوم أوغلو باستخدام المواد والمرشَّات الكيميائية التي تثبته عدة ساعات يوميًّا، ولأنه يبلغ الثامنة والستين (لا يظهر عليه ذلك) فإنه يصبغه باللون الأسود، وتستغرق عملية الاعتناء ما لا يقل عن ساعة واحدة يوميًّا. وبعد أربع ساعات يرتخي شعره ويصبح عاديا لا يمنعه من النوم بشكل طبيعي.
ولأغراض الدعاية وتكثيف مصدر الدخل وتكثيره زار أوغلو بلدانا عديدة، ومنذ أشهر زار عُمان وبقي فيها عدة أيام، ويقول إنه زار كل بلدان الخليج، كما زار مصر وسوريا وهولندا وبريطانيا وفرنسا وهونغ كونغ واليابان وأستراليا وجنوب أفريقيا وسنغافورة.
هناك من يخاف منه، حسبما يقول، وهناك من يهرب منه إذا رآه، وآخرون على النقيض من ذلك، يقتربون منه ويطلبون التقاط صورة تذكارية معه هم وعوائلهم، وآخرون يُقبِّلونه بحرارة، وآخرون غيرهم يبدون تضايقهم وامتعاضهم منه.

 

قبل خمس وعشرين سنة

قبل خمس وعشرين سنة


في محل الحلاقة الراقي، مسترخيًا على كنبة جلدية، ومرايا كبيرة عديدة تعكس صورة شاربه من زوايا عدة، وبرودة أجهزة التبريد تنعشه وتتغلغل حتى إلى شاربه، ووسط أبناء جلدته الذين أحضروا لنا الشاي وملؤوا المحل ضحكًا، روى أوغلو هذه الحكاية: ذات يوم، في شارع من شوارع إحدى المدن الألمانية، كنتُ واقفًا أتأمل مشهدًا ما حين أقبل نحوي خمسة أتراك عرفتهم من لغتهم؛ قال أحدهم: دعونا نلتقط صورةً مع هذا الوحش. وقال آخر: انظر إلى ابن القحبة هذا، وعندما أصبحوا أكثر قربًا مني سألني أحد الخمسة باللغة الإنجليزية: من أين أنت؟ قلتُ: أنا عربي. "خلِّيه يولِّي" قال أحد الأتراك الخمسة، وواصلوا طريقهم.


( تصنيفات: )
نشره مجهول يوم خمي, 2008-06-05 15:17.

ما شالله الكريم الله يعطيه العافيه والله انو بتعب عقبال يصير طولهم متر

www.newmaan.katib.org

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق