"أرانا نموت على عَتَبَاتِ مدينتِنا".. في ذكرى الراحلة فايزة اليعقوبي

نشره saltowayyah يوم جمع, 2008-04-11 04:44.
الراحلة فايزة اليعقوبي
الراحلة فايزة اليعقوبي
ملف تأبيني أعدَّه: سالم آل تويه

اليوم ذكرى وفاة فايزة اليعقوبي، الباحثة والمشرفة الثقافية وكاتبة القصة القصيرة والصديقة التي تخطَّفها الموت باكرًا قبل سنتين مع ابنها وزوجها في حادث سير فاجع.
في كتابها الصادر مؤخرًا أسئلة وتساؤلات وعلامات استفهام وموت.
هل علينا هنا أن نتجاهل تلك الإشارات؟
كثير من الناس يموتون، ولأننا لا نعلم بدنو موتهم ولا نرى أيَّ إشارة إليه فإننا سرعان ما نتساءل ونتذكر ونصاب بحنين ضاغط ثقيل حالما يُصبحون في عداد الأموات، وليس بعد زمن طويل فحسب، ولذلك نقول كما في القناعة الشعبية غير القابلة للتفلسف والاستعراض: كان يحس بقرب موته.
فرق شاسع بين الميت والحيِّ؛ إن ما نقوله عمَّن مات ربَّما ما كنَّا لنقوله عنه أبدًا لو أنه ما زال على قيد الحياة؛ الموت هنا هو المحرِّض والنَّابش والباعث والمنطلَق.
يتعطَّل النقد وتعمل طاقة الحنين، لكن هذا ليس صحيحًا حتَّى النهاية.
كتبت فايزة في نص "ارتطام": "ومَنْ حولي كانوا أشد ألما في الفترات السابقة، لأنهم لا يفهمون إلا لغة الدَّفن، لا يعلمون أن الميت إنسان يرتفع بين أيديهم ولكنه فوق رؤوسهم. لا يسمعون تراتيل السماء فلا يصلون إلى صدى الحقيقة المطلقة لأنهم يحملون أقنعة واقية عن تقرحات البشر وأصوات الاستغاثة التي تأتي من اللامتناهي".
يحضر الموت بقوة في "سغب الجذور"، ورغمًا عن الدعوة إلى الفرح وألوان البهجة التي تُصدِّر بها فايزة أوَّل نصوص مجموعتها التي رأت النور بعد وفاتها ("وإذا كان علينا أن نعيَ أن الحياة مليئة بالاختلاف والتغيير فإن ألوانها السبعة هي الأمل والحب والسفر والأماني والفن والطبيعة والعمل... فلماذا يا قريتي لا تعشقين الحياة فإن الحياة ألوان....")، رغمًا عن هذا، ورغمًا عن تذكر أصدقائها روحَها المرحة، ولقاءها بهم كلَّما جاءت من مسقط رأسها عبري إلى مسقط وفي يدها الحلوى، تبقى روح كتابتها مأسورة بالتساؤلات القلقة، ويبقى الموت ملحًّا: "تتردد فكرة الموت كثيرًا، وصار متخيلا في ذهني أكثر من أيِّ لحظة أخرى؛ إنه الاسم المضاد للأزلية، الموت في منتصف تشرين الأول أفقدني تلك الروح الباردة الجافة، الروح التي لا تستجيب للحب، الروح الخواء التي لا تستطيع الاحتفاظ بالأصدقاء؛ لأن الحب دائما يضيع في تلك اللحظات التي تشتد فيها حاجتنا إليه، ويحل مكانه الخوف".

السرد في "سَغَب الجذور" يأتي في هيئة لقطات أحيانًا، ويبتعد عن أن يكون قصة في أحيان أخرى ويتكثَّف كنصٍّ مفتوح ويقترب من البوح والإفضاء الحميمي. على القارئ أن يستدرك أحيانًا ويشارك في بناء المناخات والأجواء لأن النص يثير فيه ذلك بسبب عدم إفصاحه، وبسبب توقفه عندما يكون التوقف حرجًا، وكأن النصَّ أفضى إلى الواقع، كأنهما اسمٌ على مسمًّى!
في عام السخافة الذي مرَّ مرور اللِّئام ودَّعتنا فايزة للأبد. من حسن حظِّها أنها لم تقترب كثيرًا من الوسط السخافي المريض؛ من حسن حظها أنها لم تقترب كثيرًا من (الكبار) و(العمالقة) ومن حسن حظِّها أنها ظلت بعيدة عن "النخبة"!
في ذلك العام السيئ الذكر، وفي خضم رحيل فايزة كان تلفزيون سلطنة عُمان الملوَّن يبث برنامج "آفاق ثقافية" الذي تفتقت فكرته وانفجرت بعد توقيع عدد من الكتاب والمثقفين العُمانيين بيان تبرؤ من فعاليات مناسبة مسقط عاصمة السخافة العربية، فجن جنون بعض المسؤولين وسارعوا إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الكتاب للتعاون في إعداد البرنامج، وخاصة أولئك الموقعين على البيان، وذلك للحيلولة دون استفحال عدد الموقعين، ولتأكيد أن الأمور "تمام" عكس ما جاء في البيان! وقد مثَّلت وفاة فايزة صدمة لكل من عرفها عن قرب، وكمحاولة للقيام بتأبين لائق جرى إعداد فقرة موسعة في برنامج "آفاق ثقافية" بحيث تغطي الحدث في ما لا يقل عن عشرين دقيقة مع الاهتمام بتكثيف المادة المقدمة فنيًّا، إلا أن إدارة البرنامج رفضت ذلك، بل وتجاهلت الأمر من منطلق: من فايزة هذه!
إننا هنا لا نريد تثوير ما لا داعي له، لأننا أساسًا نعلم قدر الركاكة الكبير الذي يعمل أولئك الذين يمارسون الإقصاء والتهميش على قاعدته، ولا نستغرب صدور ذلك من التلفزيون الملوَّن إيَّاه الذي وضع لنا بندًا غريبًا عندما تعاملنا معه بالخطأ المقصود في عام السخافة عبر برنامجه ذاك، حيث نص ذاك البند على أن يلتزم "الطرف الثاني" بعدم إفشاء أسرار.... ولا ندري الآن هل كنَّا نتعامل مع منشأة نووية؟ أم مع وكالة استخبارات؟ في النهاية عرض البرنامج عن الراحلة فقرةً تأبينية مدتها عشر دقائق بإخراج سيئ ونص مبتور، بعد سلسلة إحراجات تعرَّض لها كاتب هذه السطور معدُّ تلك الفقرة مع أقارب الراحلة بسبب تجاهل طاقم التلفزيون الملون مراتٍ عديدةً مواعيد التصوير المتفق عليها وأماكنَها.
نريد أن نقول: إن القاعدة الدائمة هي تجاهل الإبداع وتهميشه في أفضل الظروف وأحلكها، وامتداد التجاهل سمة أخرى تطال المبدع حتى وهو في القبر، بحيث يكون إيفاؤه جزءًا ضئيلاً من حقَِّه أمرًا يستوجب المنَّ والأذى؛ ولنقرأ معًا ما جاء في تقديم المجموعة القصصية التي نُشرت للراحلة فايزة اليعقوبي بعد وفاتها بما يُقارب السنتين: "ونشكر مجلس إدارة النادي الثقافي على رعايته التي قدَّمها؛ لكي ترى هذه المجموعة القصصية النور، فالدعم الذي قدَّمه مجلس إدارة النادي كان كبيرًا جدًّا". وأسرة الكاتبات العُمانيات التي كتبت هذه المقدمة لم تتورَّع عن هذا المنّ وهذا الأذى بعد تأخيرها طباعة المجموعة فترة لا مبرر لها بالرغم من تسلُّمها لها مطبوعة وجاهزة بعد شهرين من الوفاة بذل خلالهما أخوة الراحلة قاسم وخديجة وسمية اليعقوبي والدكتور غالب المطلبي قُصارى جهودهما في البحث عن النصوص وتجميعها وطباعتها وتدقيقها، حتَّى إن حاتم الطائي صاحب دار "الرؤيا للنشر" بعد تلك التسويفات عرض على أهل الراحلة طباعة المجموعة وكذلك أرادوا هم أنفسهم سحبها من أدراج مماطلات النادي الثقافي ومسؤولي وزارة التراث والثقافة وطباعتها على حسابهم، فما هذا الدعم "الكبير جدًّا" الذي قُدِّم بعد سنتين؟ هل هو ألف ريال مثلاً؟ ما هو بالضبط؟
رحمة الله عليك يا فايزة. كل هذا لم يكن غريبًا عليك في الحياة والآن استرحت منه للأبد. ليتغمَّد الله روحَكِ الجنة، وادعي لنا نحن الأحياء الأموات!


"سَغَبُ الجذور" وهاجس الهُوِيَّة والموت

زوينة آل تويه
بعد ما يقارب العامين من الرحيل المباغت والفاجع تصدر "سغب الجذور" المجموعة القصصية الأولى والأخيرة للصديقة والقاصة الراحلة فايزة اليعقوبي عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت بالتعاون مع النادي الثقافي، حدث ذلك الرحيل في 11 أبريل 2006م إثر حادث سيارة ذهبت فيه هي وابنها وزوجها. حدث ذلك بعد أسبوع واحد فقط من آخر حديث هاتفي بيننا، وكان حديثا صديقا ومكتنزًا بالخطط والأيام القادمة، فيه قالت فايزة أشياء كثيرة عن أحلامها، وعن رغبتها في إصدار مجموعتها في أسرع فرصة ممكنة، وعن إعدادها رسالة الدكتوراه في تونس والتي كانت قد بدأتها لتوِّها، وعن طفلها، وعن زوجها، وعن أصدقائها الذين تحبهم في مسقط، وعن، وعن...، حينها بدا العمر ممتدا وكافيا لإنجاز كل ذلك وللذهاب بعيدا في الحلم، لكن أسبوعا واحدا فقط بين ذاك الحديث الحالم وبين الموت المفاجئ يضع المرء عند أقصى تخوم الذهول والرفض والانصدام.
كثيرا ما تباغتني التفاتة لاإرادية ناحية مقهى هايبرماركت "اللّولو" كلما ساقتني قدماي إلى ذلك المكان حيث لن أنسى صورة فايزة ورضيعَها في آخر لقاء لنا قبل رحيلها بشهور قليلة في آخر زاوية في المقهى.
تضم مجموعة الراحلة خمس عشرة قصة (رسم على الظلال، الرجل الذي نسي وجهه في المرآة، الرُّوع، فصام، صخب، حجر من القمر، فتحة للعبور من القنينة، دفء، بوح نتوءات الرصيف، قضمة من زبد البحر، زنبقة بلا غصون، نجمة الليل، مداد الغضب، ارتطام، مكاشفة).
سغب الجذور
سغب الجذور

يتراءى لقارئ هذه القصص أن شخصياتها تنشغل كثيرا بالبحث عن هويّة تخصها، ففي كل قصة تبرز أزمة الهوية طاغية كسؤال وجودي مؤرق، وما عنوان المجموعة إلا وصف مكثّّف لعطش هذه الشخصيات إلى الانتماء إلى جذر ما، وكذلك عناوين بعض القصص تُسرِّب انفعالات شخصيات مأزومة تخشى الظِّلال وتتوسل الصخب والدفء والبوح والغضب، والمكاشفة أطواق نجاة لا توصلها في الغالب إلا إلى الموت بشكليْه المادي والرمزي، وقليلا ما تتدخل هذه الشخصيات في لحظة ما لتقرير مصيرها، لكن أكثر الشخصيات تأزما ويأسا من إيجاد شكل واضح لوجودها شخصية (الذيب) في قصة "فتحة للعبور من القنينة"، الذي لا يعرف أبا أو أمًّا، ويقطن بيتا متهالكا في ركن منزو من القرية، فضلا عن أنه يحمل اسمًا يُعمِّق شعورَه بالوحشة والقسوة، ولمَّا لا يجد (الذيب) إجابات لأسئلته الكثيرة يقرر مصيره بترك القرية وأهلها في عمق الفجر وبصمت، لأن لا جذور له فيها. وبينما يختار (الذيب) الهجرة آخذًا معه كل شيء، جسده وروحه وأشياءه، نجد شخصية قصة "فصام" مثلاً تتلمس خروجها بإطلاق صرخة مُدوِّية علَّها تنتشل صاحبها من وجود متذبذب ومشوَّه تسكُنُه ذكرى الموت.

قد يكون من قبيل المصادفة أو المبالغة حتى أنْ تأتي نهاية شخصية آخر قصص المجموعة "مكاشفة" شبيهة بنهاية كاتبتها، حيث تنتهي كلتا الحياتين في حادث سيارة، لكنَّ المفارقة الأعجب أن تنتهيا وهما في خضم تشبُّثهما بتفاصيل الحياة وانشغالهما بفك مفرداتها، كلُّ واحدة منهما كانت تفكر "ولكنها توقفت فجأة عن التفكير في كل هؤلاء عندما قذفتها سيارة قادمة إلى الجانب الآخر من الطريق" (مكاشفة) ص 100.



د. غالب المطَّلبي
رئيس قسم اللغة العربية وآدابها
كلية التربية بعبري


إن طُلب مني أن أضع عنوانًا لهذه المجموعة القصصية فلن أختار لها سوى ذلك العنوان الذي نتجنبه عادة: (موت مبكر)، ليس لأن صاحبة هذه المجموعة قد وقعت تحت طائلة هذا المعنى، بل لأن الرسالة الخفية لكل هذه القصص كانت التلميح لشيء من هذا القبيل وقع أو سيقع بعد حين، لقد كان ذلك هو الهاجس الذي نسجها كلها إذ استبطنت كل هذه القصص رائحة موت بدا متأصلاً في أعماقنا، متأصلاً وعابرًا وموجزًا في الوقت نفسه، بدا أننا نعيش تحت الشعور بأنه سيقع قريبًا، قريبًا جدًّا، وأن مهمتنا أن نكتشف متى سيكون ذلك، أين وكيف، وقد نُظهر شجاعةً ما، فنضع إجابتنا في عبارات غامضة مثلما فعلت فايزة اليعقوبي حين سطرت في أثناء بعض قصصها عبارتها المخيفة التي تشير إلى أنها تستطيع أن تضع إجابتها الشخصية عن سؤال من هذا القبيل، رمت تلك الإجابة علينا بسرعة على هيئة نبوءة. تقول في قصة "دفء"- بضمير المتكلم-: "إن مصرعنا سيكون عند عتبات مدينتنا"، والغريب أن ذلك هو ما حدث تمامًا على عتبات مدينة عبري، وهي نبوءة تعيدنا إلى الفكرة الأولى عن الأدب وعلاقته بالعالم الخفي، بقدرته على الغوص بعيدًا في داخل أرواحنا...
*مقطع من المقدمة.




عبدالله حبيب

في النصوص القصصية للراحلة، والتي أُتيح للمرء الاطلاع عليها، تتجاور الموهبة الأصيلة والوعد الراسخ مع ارتباكات البداية، ولكن أي جور وفجور أن يتحدث المرء عن "ارتباكات البداية" في نصوص زميلة وصلت إلى أقصى تخوم تجربة وموهبة الحتف قبله؟
ليس الإبداع الحقيقي إلا محاولة صعبة نحو صمت الخليقة الأول، هناك حيث، في البعيد البعيد، ترفل فايزة بأثوابنا، وأحلامنا، وانكساراتنا جميعًا.
وفي نصوصها القصصية تلك يُشاكسها الشعر في ما يكاد يكاد أن يكون تقليدًا في القصة العُمانية القصيرة، فتُحاول أن تتملص منه وأن تتورط فيه معًا، وأن تغزل القص في نسيج حكاياتها الآسرة، وتتردد في الإفشاء كمن لا يريد أن يقول شيئًا عن الكثير الذي لديه. إنها أنثى تجيء إلى البوح في مناخ اشمأز حتى الذكور من ذكوريته، فيالصعوبة مهمتها، ويالنبل مسعاها. تجمع في أحد نصوصها بين ما تُسمِّيه "التشابه المفضي إلى العدم" وإشارة لاذعة إلى برنامج "السياحة في بلادي".
* مقطع من الغلاف الأخير.




فايزة ذاكرة البقاء
قاسم اليعقوبي


فايزة التي أخذها منا الموت في أبريل عام 2006م وتركتنا وحيدين بين ذكراها وفجائية الرحيل المؤلمة.
اليوم في ذكرى اكتمال عامين على رحيلها أجدني ألتمس صعوبة الفقد المتراكمة في داخلي، صعوبةً تلازمنا نحن مَنْ نعرفُها جيدا في ردهات أوقاتنا والأمكنة التي تردَّدت عليها.
وصعوبة أخرى تتمثل في الكتابة عن الحبيبة، إذ ليس بالشيء الهيِّن أن تكتب عن إنسانة ما زلت تُحسُّها أمامك.
بالنسبة إليَّ لم تكن فايزة مجرد شقيقة، بل كانت حضنًا دافئًا ومستقبلاً أتعلَّم منه كلَّ يومٍ، وما زلت أتعلَّم منه الكثير.
عندما أدخل إلى غرفتها أجد روحَها وكتبَها وأوراقَها ماثلةً كما تركتْها؛ كأنَّ شيئًا لم يحدث، أجدها جميعًا تُناديني كي نتشارك سويًّا الجلوسَ والقراءةَ معًا في مكتبها.
أيُّ بقاءٍ دفنتْه فينا تلك الجميلةُ؟ وعن أيِّ موتٍ نتكلَّم؟ هل عن الرُّوح التي ما ماتتْ؟! أم عن الجسد الذي قد نراه في كلِّ مكانٍ ماثلاً، والذي عبَّرتْ عنه فائزة في نصوصِها أكثرَ من مرَّة بشكل أسطورةٍ خرافيَّة؟ والحكاية التي تتكرَّر في مسقط رأسِها عبري (عن رؤية الأجساد وتأويل الحكايات لرائحة الموت، وانبعاث رائحة الجنان في شخصيات القصص التي تلتها لنا فايزة فكانت أبطالاً للموت قبل أن تنضمَّ هي إليهم).

وهنا لا أريد أن أخوض في تفصيلاتٍ وقراءاتٍ للعالم الذي تنتمي إليه فايزة بقدر تلبيتي لرغبة الأخ العزيز القاصّ سالم آل تويه في الكتابة عن شقيقتي فايزة.
من أين أبدأ وأنطلق؟
كلُّ مكانٍ أدخله أجد مخرجي منه.
فايزة أمٌّ وأختٌ ومعلِّمةٌ عشت معها تفاصيلَ دقيقةً لن تُعوِّضنا السَّنواتُ القادمة شيئًا عنها أبدًا؛ لأنَّ الفقد كبيرٌ والفراغَ أوسعُ من أن يحصر المرحومة.
كانت حنونًا تعطي بلا مقابل؛ هي من منحني اسمي في الحياة، هي من احتوى تجربة الكتابة لديَّ، وهي من قالت إنَّ الكاتب لا ينتهي أبدًا.
... هي تُدبِّر الكثيرَ، وتُخطِّط وتعمل بصمتٍ؛ ترى في ابتسامتِها وهج حياة. بالرَّغم من كلِّ ما مرَّت به تراها لا تتنازل عن أفكارِها ومبادئها؛ اجتماعيَّة، ومتأمِّلة، وعاشقة للقراءة والكتابة، ومتسائلة عن أشياء لا تمرُّ ببال أحدنا. تسأل عمَّن تفقده.
أذكر ممَّا قالته:
"حبيبي قاسم: نحن نناضل في الحياة لإيصال أصواتنا المُتمرِّدة. نحن في سباق أزليٍّ مع الحياة".
وممَّا قالته فايزة عندما شعرت بالظُّلم الاجتماعيِّ فرفعت دعوى تُطالب بالانفصال، قالت: "القضاءُ لم يظلم المرأة بل يُسيءُ لديننا وثوابته"، "لا خير في القضاء الذي يُفرِّقُ بين أبنائه وبناته، ويخاف من إصدار العقوبة لمن لا يُقدِّسُ الحياة الزَّوجيَّة. هو قضاءٌ مريض. نحن لسنا بحاجة لدُوْرِ قضاء ذات نوافذَ جميلةٍ ومبطَّنةٍ بالنُّقوش والحرس ورجالٍ حازمين بطونَهم وعصيّ. نحن بحاجة إلى عدالة. نحن أعطينا المرأة الكرسيَّ، وماذا بعد؟ لكنَّنا حرمناها من العدالة البيضاء التي أُنزلتْ من السَّماء وقدَّمناها لشقيقها الرجل. في كلِّ الأحوال.... نحن بحاجة إلى تنظيم مؤسَّساتنا بصورة تعيد لنا احترامَنا لأنفسِنا، بغضِّ النَّظر إن قيل لنا يومًا إننا أصحابُ حضارةٍ منصفِة ضيَّعناها وذرفنا عليها دموعنا ونحن لم نُقدِّمْ لها شيئًا".
أذكر هذا جيِّدًا: كيف ردَّتْ وصرختْ- فايزة- وكتبتْ مقالاتٍ، وأشارت في نصوصِها إلى معاناة المرأة في قضايا الانفصال والمِنَحِ الدِّراسيَّة والعلاوات، مستنكرةً ورافضةً ما يستحقُّ أنْ تراه مرفوضًا.
وممَّا تُسجِّلُه الذَّاكرة هنا المواقفُ الإنسانيَّةُ لفايزة التي ما يتجرَّأُ أحدٌ على عملِها غيرُها. أذكر في رمضان عندما زار وزير التَّربية كلِّيَّة التَّربية بعبري، وكانت فايزة وقتها مشرفةً، عام 2001م، وعندما جلس الوزير إلى الموظفين، وقد اعتاد الموظفون على رحابة صدره، طلب الوزير من الحضور الحديثَ فاستهلَّتْ فايزة الحديث بقوَّةٍ وصراحةٍ بإيجاد حلٍّ لمشكلات طالبات المناطق البعيدة عن عبري، وضرورة إيجاد سكن داخلي لهنَّ أُسوةً بزميلاتهنَّ من باقي المناطق.
كانت فايزة ترى أنَّ الطالبات من المناطق البعيدة خارج عبري يُعانين كثيرًا للوصول إلى الكلِّيَّة، خاصة بسبب وعورة الطَّريق، إضافةً إلى أنَّهنَّ يقطعن المسافة ذاتها التي تقطعها طالبات مناطق الولايات ممَّن يُتاحُ لهنَّ السَّكنُ الدَّاخليّ؛ طالبت فايزة أمام إعجاب الحضور بضرورة تعديل القانون، وقالت إنه لا بد من وجود نظرة إنسانيَّة، وعرضت موضوع معاناة الطالبات، ونسيتْ موضوعَها هي، حيث كانت قد أكملت الماجستير ولم تنتقل.
المواقف لرحلة فايزة عديدة، وأنا لم أتحدَّث عن علاقاتها الأُسريَّة التي ستطول كثيرًا إنْ تحدَّثتُ عنها.
فايزة كانتْ ترى في الكتابة متنفَّسًا لما تُعانيه. أحيانًا تُصاب بإعياء لكنَّها تُصمِّم على أنْ تُنجِزَ النَّصَّ، وكنت شاهدًا على ولادة أكثر من نصٍّ إبداعيٍّ لها: في المقال أوِ القصة أو المسرح.
فايزة امرأةٌ صلبةٌ نذرت نفْسَها وحياتَها لشيءٍ واحدٍ هو العلم. لم تكن تبحث عن الشهرة. طوَّرتِ العملَ الذي تُشرِفُ عليه، والمكانَ الذي وجدت نفْسَها فيه، على الأقلّ الأسابيعَ الثَّقافيَّة لكلِّيَّات التَّربية، إضافةً إلى فكرة المجالس، مجالس الأنشطة الطُّلابيَّة التي تبنَّتها المديرية العامَّة للكليات لاحقًا؛ كانت مع كلِّ تطويرٍ ومع كلِّ إبداع. فايزة وقفت مع مشروع أسرة أدباء الظَّاهرة، وأعدَّت نشرةً خاصَّةً تحمل أسماءَ طلاب وطالبات كليات التربية، واستطاعت- عبر بريدها- أن تتبنَّى كلَّ طالب وطالبةٍ ممَّن يكتبون القصَّة من طلاب كليات التربية، عبر مشروعها النبيل. كان قلبُها مفتوحًا لهم فأحبّوها وأحبَّتهم، احتضنتهم جميعًا، ووجَّهتهم؛ انصرفوا إليها تاركين كلياتهم لا يريدون غيرَها: فقط فايزة الإنسانة التي منحتهم حبَّها وتوجيهاتها.
كنت أتسمَّر معها قرب جهاز الحاسوب وقتًا طويلاً أقرأُ عشراتِ الرَّسائل من مختلف مناطق عُمان.

لا أحد يفعل هذا عدا فايزة التي لا تنتظر المقابل من أيٍّ كان، هي المرأة القوية التي تُعطي الحياة في حضور الموت، فما وهنت إلا لمشيئة القدر عندما أتاها ذات مساء برفقة أهلها قرب عبري وكأنها استشعرت ذلك الرحيل عندما كتبت قبل أن يأتي: "أرانا نموت على عتبات مدينتنا".
اليومَ، ونحن نعيش ذكرى هذه الأم والأخت والمعلمة النبيلة، نستجلب ذكرياتِنا المتكدِّسة والصَّعبة في ذات الوقت، ونرفع أيدينا بأن يرحم الله فايزة، وأن يتغمَّدها هي وأهلَها أجمعين الجنانَ، ويعظمَ لها الأجر والثَّوابَ الجزيل.
اللَّهمَّ آمين.




خمس قصص من مجموعة "سَغَبُ الجذور" للقاصَّة فايزة اليعقوبي

مِدَادُ الغضب...

(المرارة لا تحرقها إلا المرارة، والألم لا يعيده إلا الألم)

سريع الجريان، أصبح يخفق ليل نهار، ولم يكن يعلم وقت الصباح إلا عندما يحل المساء. تزداد خفقاته عند المساء ليسكب انهياراته على قمم ثلجية متحجرة منذ آلاف الدهور متكلسة لا وقت لديها للنزعات أو أن تهوى النهايات، لأنه لا فرق بين حبات (الكلس) وعقود الثلج، لم أعجب أنك تستطيعين أن تصنعي عقدا من حبات الثلج أو حبات الماء المنهارة من بين أصابعك ولكني أعجب أن تأتيك الجرأة لتضعي نفسك مكان علبة السكر، وأتناولك سهوا في فنجان قهوتي، ثم أراك تختبئين بين خبايا أضلعي ليبدأ سكب مدارك على قارات قميصي وعطري وأوراقي البيضاء وكتبي وسريري وسكوني. تطاولين ما لم أصل إليه وتُعانقين ما أكره معانقته، وتفجِّرين ينابيع الغضب المكبوتة.

***************

ويظهر نيورجيوس بعد أن تحرَّرَ من الزهرة الملعونة ليسأل عن أوراق العشق المتساقطة في الربيع، ويرمي اسمي بين ظلال الأوراق المتشابكة يلهو بها لما بعد الوقت ولكنك تقطعين عليه لهوه وتصرخين من بين أضلعي:

لا وقت للعشق لا وقت للهوى
كل ما كان ضاع يوما وانطوى


****
عد من حيث أتيت ... عد فورًا إلى الموت
فهنا لا فرق بين الصمت والموت


وأضع يدي على فمي لأمنع مداد كلماتك من الوصول إلى نقطة الشَّفتين، ولكن (نيورجيوس) ينتحر على حافة الغابة، وقبل أن تصل دماؤه إلى الأرض أكون قد حكمت على نفسي بقتله، ونسيت أنه كان قبلي ينتعل حذاء شهريار، ويقوم بتعذيب النساء دون قتلهن ليحوِّلهنَّ إلى تماثيل غير قابلة لانكسارات الحب. سالت دماء نيورجيوس على الأرض فانتقل من الأسطورة دون ملامح ذكورية وأصبح محاطًا بهالات سوداء لا تشفع لأوراق التوت عنده، ولأن الحب لم يولد نرجسيا أوان تقتات من موائد البائسين فإنه لا مكان له في الأرض الأسطورة. وأوراق التوت التي لا تكترث للمهمة ظلت تصرخ: اقتلها قبل أن تشتكيك لآلهة الحب، اقطعها بعد أن تروي ظمأ القلب، اقتلها قبل أن تجعل منك حبيس زهرة ألف عام أخرى.
في منتصف الليل كانت الكلاب تُمرِّر ألسنتَها على جثَّة امرأة ممزقة الضلوع، فاقدة النبض، تنتمي إلى عالم مجهول الهوية ولا تحويه قائمة المفقودين أو الممنوعين من القتل، ولذلك لم يلتفت إليها رجال الأمن . واستمرت الكلاب تأكل الجثة بنهم انزعجت منه الأبراج وبوابات المدينة وأشرعة القوارب المتباعدة ووسائد المتسكعين الممزقة، كما انزعجت فراشات الليل منذ الصرخة الأولى، وفي الصباح تقيأ المارة لمنظر الجثة أثناء مغادرتهم إحدى دور السينما بعد أن قضوا الليل يتألمون حزنا على بطلهم نيورجيوس المسكين الذي قتل المرأة والكلاب معا. ولحسن الحظ فقد تقيأت معهم وهكذا تخلصت منك ومن علبة السكر ومن مداد الكلمات الغاضبة.


لون تعشقه النساء
يَبْرُقُ لون الذهب كل صباح على أمواج الشاطئ، وهناك عندما تعانق تلك الأمواج رمال الشاطئ وتبدأ كينونة الحياة بحس نبض غابات النخيل يتحول اللون الذهبي إلى سبعة ألوان أخرى مختلفة، يبدأ بالتحول لأنه يعلم أن الحياة لا تحتمل لونًا واحدًا لا مجال لتغييره. ولأن الاختلاف لا التشابه هو أصل الموجودات قدر الزمن أن يكون مختلفا هو الآخر، فحوَّل أيامَه إلى سبعة أيام هي سبت وأحد واثنين... وهكذا لأنه بكل يسر قد فهم لغة الاختلاف ووعاها جيدًا.
وإذا كان علينا أن نَعِيَ أن الحياة مليئة بالاختلاف والتغيير فإن ألوانها السبعة هي الأمل والحب والسفر والأماني والفن والطبيعة والعمل، هي ألوان أساسية ومختلفة، ولكل لون اشتقاقاته وصلاته من الألوان الأخرى.
أيها اللون الذي يُظلِّل أجفاني
أسأل عن ألواني الأخرى
أسأل عن آخر أشجاني
وأعجب لك يا قريتي أن تلتحفي بلون السواد في حين إن الحياة ألوان مختلفة ومبهجة. وإذا كنت يا قريتي تُفضِّلين لونا واحدا فلماذا يكون لون السواد؟ هل هو لون الذنوب؟ أو لون الحداد؟ وهل نستمر في إيقاعنا أن الحياة غير أبدية ولهذا أن علينا أن نحزن وأننا سننتهي؟ وهل سنستمر في ظلمنا للحياة ونجعل اللون الأسود هو قضية الوجود بينما اللون الأبيض هو لون الكفن في اللاوجود. ما معنى هذه التناقضات الغريبة مع الحياة؟
ويا قريتي إذا كنت تعشقين لونا واحدا فلماذا لا يكون اللون الذهبي؟
إن النساء يفضلن الذهب لأنهن يعشقن لونه كما يفضل النهار أن يصافح الليل بلون الأصيل.
فلماذا يا قريتي لا تعشقين الحياة
فإن الحيـــــــــــــاة ألـــــــــــوان.

"لون تعشقه النساء" ننشرها هنا كإحدى قصص المجموعة، وذلك حسبما وردتنا من الصديق قاسم اليعقوبي، علمًا بأنها تتصدر نصوص المجموعة تحت عنوان "الإهداء" "إلى عبري" مذيلةً بتوقيع المؤلفة الراحلة.

نجمة الليلة...
طلبت عيناك أن أصف أول الطريق، أن أصف المهاد، وأن أصنع البداية، أتعرف أيَّ طريق أشقّ؟ فهل تريدين أن تعرفي أيَّ صباح يُلقم جبيني مع انطلاق النهار أم تريدين أن أصف أول الطريق في المساء؟

إذًا يجب علينا أن نتَّفق معًا من أين تبدأ الطريق!

هل نبدأ من غرفتي التي تختنق بدولابي المزدحم بالملابس وسريري الذي أحاول منذ زمن أن أجعله مساويًا للأرض لعله يقترب من رحم أمي فأنعم فيه بدفء أمومي يحفظ لي تلك الطفلة التي ترتدي معطفها الأحمر رغما عنها لأنه لا يتسع مع زيِّ المدرسة أو أن يكون السرير شبيها بالتابوت الملائكي الذي تحمله الملائكة المجنحة.
يبدأ الطريق وتبدأ أنشودة الحياة تُداعبني عند الغروب فيستيقظ كل شيء، تستيقظ الأمنيات والفراشات من غرفتي، ويبدأ حلم الليلة بترنيمة فيروزية يا ليل........... حتى أصل معها إلى (... بآخر الليل).

بالليل كل ما هو كائن يبدأ بالاختلاف ليعود إلى شكله الذي جُبِلَ عليه، ولذلك أبدأ باختيار قميصي وتسريحة شعري وحذائي وعطري وكل ما يجعلني أكثر أملاً في المساء، ويصبح سقف غرفتي نجوما تسافر كل ليلة.

وهكذا كان المساء يساعدني على تحمل أعباء يوم آخر ينتظرني في الصباح ويستنفد الأمل عندي. عندما يأتي يوم آخر الليل يحل السكون حين تحملك العيون الأخرى على الانزواء في ركن منعزل عن الأقمار والنجوم المختلفة، لأنها لا تفقه أن لكل ليلة نجومها وقمرها الذي لن يظهر في الليلة التالية، ولذلك لم يكن يعنيها قمر هذا المساء أو غيره من الأقمار، وتكتفي ببطولة الاستسلام للنوم.
وهنا عليَّ أن أصعد إلى سقف المنزل لعلِّي أقتطف إحداها، فأدفئ بوهجها نبضي البارد، وقد عشت عمرا أحاول كسر الثلج الذي تكدس منذ ولادة الشفتين والنهدين، ذلك الثلج الذي انتقل إلى أطرافي حتى ما عدت أشعر بهما. ومع أني ليلية الطباع أعشق سحر الليل وتستهويني أزهار أكاليل الجنة التي تحيط بأطرافه، إلا أن هذا الثلج القابع في أعماقي يعزلني عن هذا الفرح ودفء الحب، ذلك الدفء الذي أحلم به حتى آخر المساء، ولم يبق لي غير رمق آخر المساء. كل العيون حين تشعر بالحب تشعر بالدفء، وأنا حين بدأت أشعر به شعرت بالخوف، وبدأ الدفء يتسرب من بين أصابعي حين أقضي نهاري في خوف من فقدان الحب حتى حلول المساء، وما أسوأ الحب الذي لا يمنحك الدفء بالحياة. لذلك أتمنى أن يضمني المساء بين نجومه بعيدًا عن الضِّباع والذِّئاب وعجلات الطريق، وأصبح نجمة ولو لليلة واحدة...


ارتطام
الموت يختبئ في ثنايا أجسادنا، ويظهر حين نشعر بالضعف ليفتك بآمالنا، حيث تتخلى عظامنا عن لحومنا، ومع ذلك فنحن البشر نقهره بآمالنا المخزونة في شفرات لا تفهمها إلا لغة الحضارة.
تتردد فكرة الموت كثيرًا، وصار متخيلا في ذهني أكثر من أيِّ لحظة أخرى؛ إنه الاسم المضاد للأزلية، الموت في منتصف تشرين الأول أفقدني تلك الروح الباردة الجافة، الروح التي لا تستجيب للحب، الروح الخواء التي لا تستطيع الاحتفاظ بالأصدقاء؛ لأن الحب دائما يضيع في تلك اللحظات التي تشتد فيها حاجتنا إليه، ويحل مكانه الخوف.
أي هذا الخوف الذي يحلل الأجساد المقيتة ويضعها في إطار بانورامي. هل ينبغي أن تتشكل الصورة في أجساد تموت وأخرى تتعفن لتظهر رائحتها على نحو يلغي الوجود والكائنات، ولماذا لا تكتفي بالأجساد القابلة للعفن.

بعد منتصف تشرين الأول بدأت أشعر بالحياة على الرغم من انفصال تلك الروح عن الجسد، فهل عساها الرغبة في العيش أورت ذلك التيار الذي ارتعدت له روح الحياة أم هو صوت الارتطام بالأنات البعيدة. شيء ما ارتطم بصدري ربما أثقل من تلك الآلام التي أحسست بها بعد العودة من العالم الذي تسيطر عليه الملائكة بغير أجنحة، ملائكة العذاب ربما فلم أعد أتذكر كما في السابق.
ومَنْ حولي كانوا أشد ألما في الفترات السابقة، لأنهم لا يفهمون إلا لغة الدَّفن، لا يعلمون أن الميت إنسان يرتفع بين أيديهم ولكنه فوق رؤوسهم. لا يسمعون تراتيل السماء فلا يصلون إلى صدى الحقيقة المطلقة لأنهم يحملون أقنعة واقية عن تقرحات البشر وأصوات الاستغاثة التي تأتي من اللامتناهي. ولكن بعد الارتطام عاد الموت للاختباء من جديد في أحد الأجزاء الحية التي ترغب كثيرا في الديمومة.


مكاشفة
.... كانت معادلة من الصعب أن أفهمها، معادلة تقتضي أن يقف الزمن أمام الزمن، وأن تقف إيحاءات المكان أمام المكان، وأن تتوقَّف الأقلام عن الكتابة إلا بأقلام جافة– زمن يحارب بعضه بعضًا، وينتشل أشلاء من جثث بعضه بعضًا....
(النص مقطوع)
توقف عن القراءة، ورمى بقايا الجريدة في سلة المهملات تحت أدراج مكتبه مع بقايا أوراق وشخبطات دوائر مختلفة الأحجام. ثم قام من على كرسيه والتفت إلى النافذة. كانت يده المرتعشة تتخبط على الكرسي بلا هوادة. أدار الكرسي بعنف، وعاد للجلوس مرة أخرى مثل من يتأهَّب لحلقة نقاش مفروغ من مصداقيتها.
طرقات على الباب تنخفض ثم تعلو بانتظار من يأذن لها بالدخول، تقطع عليه صمته لكنه تغلب على سكوته فأجاب:
- ادخلي.
تدخل (هي) إلى المكان، ترتدي قميصًا فضفاضًا سدله شعرها خلفها، يُغطِّيه غطاء خفيف يكشف ما تحته، ويفضح وجهًا ممتلئًا بنظرة متحدِّية وشفتين متوثِّبتين للحديث.
هي: مكتبك واسع يا سيد حسن.
هو: لأني أردته أن يكون واسعا.
(كان الشعور بالحنق على هذه المرأة قد لازمه منذ الصباح حتى قبل لحظات، ولكن هذا الحنق غدا يتلاشى عندما بدأ يمعن النظر إليها؛ أمعن النظر في تقاسيم وجهها.
هي: هل يعجبك شكلي؟
هو: شكلك فحسب. أظن أن أشياء أخرى قد تعجبني فيك يا آنسة لعل أهمها هذه الجرأة النادرة.
هي (مقاطعة): والتي قد تصل إلى الوقاحة من وجهة نظرك.
هو: أنا لم أقل إنها وقاحة.
هي : قالها لي مدير مكتبك هذا الصباح بالنيابة عنك.
هو: ومع ذلك تُعجبني أيًّا كان مسمَّاها.
هي: كنت أظنك تنزعج لمثلها.
هو: على الإطلاق يا سيدتي الجميلة.
هي: ماذا لو كنت غير جميلة.
هو: لا أراك إلا جميلة.
هي: أظن أن فكرتك هذه لم تكن واردة عني عند الصباح.
هو: لأني لم أكن قد رأيتك بعد.
هي: لا بد أنك تستغرق أوقاتًا طويلة هنا داخل المكتب الفسيح.
(تقلب طَرْفَها بين الرفوف الممتلئة بالكتب المتراصة).
هو: لا- لأنه لا يوجد هنا ما يصلح للقراءة .
هي: (تنظر إليه بغرابة ثم تقترب من الرفوف المتشابهة).

هو: إنها كتب فارغة، مجرد أوراق بيضاء.
هي: ولكنها تحمل اسمك.
هو: لأنني أنا من قمت بتجليدها بعناء.
(تنهض من مكانها لتقلب بعضًا من الكتب، واحدًا تلو الآخر، وعلامات الاستغراب قد ارتسمت على وجهها فاختفت حدَّتُها عندما أدركت أنها مجرد أوراق بيضاء).
هي (ساخرة): هل هذه هوايتك.
هو: لأملأها بصورك.
هي: لماذا؟ هل ستقوم بتسويقها.
هو: إذا كنت كذلك فهو جزء من الشطارة .
هي: هل تكشف لي الآن عن بقايا قذارتك.
هو: لا تملكين الذكاء الكافي لكشف مواهبي.
هي: لا تحملني على مغادرة المكان.
هو: لم تدخليه بعد لتغادريه.
هي: لن أنتمي إليه أبدًا.
هو: شعرك يعجبني.
هي: لكنك لا تعجبه ولن تعجبه.
هو: أتيت لأفاوضك.
هي: لستُ من الذين يقبلون المفاوضة.
هو: إذن تجرأت وكتبت عني هذه المقالة.
وأنت تعيشين في زمني ومكاني.
هي: أنت لزمن من السراب يُنتسى لبعض الوقت ثم يتلاشى ليضيع.
هو (غاضبًا): بل لكل الوقت.
هي: انظر إلى نفسك؛ لقد بدأت بالغضب لأني لم أستطع أن أقول إلا ما يرضيني.
هو: سأكسر غرورك وجرأتك.
هي: عليك ساعتها أن تحاول.
(حملت حقيبتها وخرجت هي من المكتب).
خرجت كأن رياحًا حملت معها الباب وأوصدته. فيما تسمَّر هو وكأن العالم من حوله يدور في كل الاتجاهات، وكأن الأرض توشك أن تسقط من قدميه، حتى إنه لم يشعر بدخول مدير مكتبه إلا عندما رفع بصره ليرى هامته ويسترجع شكل الواقف أمامه. خاطبه مدير مكتبه قائلا: ما الذي ستفعله حتى توقفها عن الكتابة.
هو وقد تراجع مُسنِدًا ظهرَه إلى الخلف: سأتزوجها حتى وإن كان رغما عنها.
مدير مكتبه: هذه لغة تفهمها كل النساء ولكن لا تقبلها إلا واحدة وخاصة هذه المرأة فهي مضيئة وأنت مظلم.
هو: إذن هي ما يلزمني.
مدير المكتب: لن تستطيع محو آثار الظلمة من نفسك فأنت معتم أكثر من اللازم.
هو: وبعدها سأتزوج غير واحدة.
مدير المكتب: ستتحول كل واحدة إلى نفق آخر وساعتها لن تصل أبدا. ولذا من الأفضل أن تتزوج صانعة أنفاق مثلك.
هو: أنت قاطع طريق.
مدير المكتب: ولكن لا قدرة لي على قطع البشر.
أصوات مدوية تهز صمت المكان وثلاث رصاصات تستقر في جذع الشجرة بعد أن تخطت حاجز النافذة).
(فيما كانت ما تزال تقطع الشارع وتفكر في المكتب الواسع وفي الرجل الذي حطمته صراحتها وكم هي تشعر بالأسى من أجله. كم كانت تفكر في صوت أمها المزمجر يهز أركان المنزل الذي استأجره جارها الرسام عندما يماطل الأخير في دفع الأجر، وأخيها الذي لم يجد عملا حتى الآن، وعمها الذي رفع شكوى ضد أمها مطالبا بنصيبه من الإرث. ولكنها توقفت فجأة عن التفكير في كل هؤلاء عندما قذفتها سيارة قادمة إلى الجانب الآخر من الطريق.




السيرة الذاتية للكاتبة
فايزة.. الرحيل المبكر
فايزة.. الرحيل المبكر

فايزة بنت خميس بن سليم اليعقوبي:
- مواليد ولاية عبري- سلطنة عُمان 1972م
- حاصلة على الليسانس في اللغة العربية وآدابها 1995م- جامعة السلطان قابوس.
- حاصلة على الماجستير في الأدب العربي الحديث/أدب ونقد 2001م- جامعة السلطان قابوس.
- عملت عام 1996 مشرفة ثقافية ثم انتُدبت في المديرية العامة لكليات التربية كفني مناهج بدائرة المناهج عام 1997 وحتى يناير/كانون الثاني 1998م.
- عملت مشرفةً ثقافيةً في كلية التربية بعبري من 2000 إلى 2002.
- عملت مدرسًا مساعدًا في قسم اللغة العربية وآدابها 2003- 2006م.
- شاركت في العديد من لجان الندوات وورش العمل منها:
1- ندوة (الإيست للتعليم) في مسقط 1997.
2- الأسابيع الثقافية لكليات التربية.
3- المهرجان المسرحي الأول في جامعة السلطان قابوس 2002
4- سوق صحار الأدبي- ولاية صحار 2004.
5- الندوة الوطنية الرابعة- ولاية عبري 2002.
6- ترأست ندوة الأدب العُماني في كلية التربية- عبري 2004.
7- شاركت في تأسيس العديد من الجماعات الثقافية- كلية عبري.
للراحلة- بالإضافة إلى المجموعة القصصية- مقالات أدبية متفرقة نُشرت في الصحف المحلية والملاحق الثقافية بالإضافة إلى مقالات أدبية في قضايا الطفل نُشرت في صفحة كلية التربية (إشراقات)، وملحق (شرفات الثقافي)، بالإضافة إلى مشاركاتها في الأمسيات القصصية.
توفيت الكاتبة فايزة اليعقوبي يوم الثلاثاء 11 أبريل/نيسان 2006م في حادث أليم في ولاية عبري مع زوجها وابنها قبل أن تُكمل رسالة الدكتوراه التي كانت تُحضِّر لها في تونس.


*اعتمد هذا الملف التأبيني على مجموعة "سغب الجذور" بشكل رئيس، ونتوجه بالشكر العميق إلى الصديق القاص قاسم اليعقوبي على ما زودنا به من نصوص مطبوعة وصور، وعلى مساهمته الفاعلة في نشر هذا الملف.




( تصنيفات: )
نشره مجهول يوم أحد, 2008-04-13 08:49.

شكرا للقاص سالم على هذا الملف، وشكرا لتذكيرنا بالراحلة التي لن تموت

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق