بعد عام على رحيلها.. كتابٌ يؤبن ليلى فخرو ويرصد محطَّات نضالها

نشره saltowayyah يوم ثلث, 2008-03-25 02:25.

"لا تغفروا لكلِّ من أخطأ في حقِّ الوطن"
ليلى، هدى، بنت سالم، ماما هدى.. أسماء عديدة لامرأة استثنائية واحدة
أوَّل من أسَّس التعليم الحديث في عُمان

غلاف الكتاب الصادر قبل أيام
غلاف الكتاب الصادر قبل أيام


 

بمناسبة مرور سنة على وفاة المناضلة البحرينية ليلى فخرو صدر في العاصمة البحرينية المنامة خلال الأيام القليلة الماضية كتاب "ليلى ملحمة العطاء الإنساني". جاء الكتاب في 287 صفحة من القطع المتوسط احتوت خمسة فصول وألبوم صور يوضح مراحل من حياة الراحلة مفعمة بالعمل الوطني والإنساني الاستثنائي.

احتوى الفصل الأول على الكلمات التي ألقيت في الاحتفالات التي دعت إليها "وعد" (جمعيَّة العمل الوطني الدِّيمقراطي) وجمعية سيدات الأعمال البحرينية، وخلال ذكرى مرور أربعين يومًا على الوفاة، وبمناسبة تدشين قاعة ليلى فخرو في جمعية أوال النسائية. وجُمعت في الفصل الثاني المقالات التي عبَّر فيها أفراد أسرة ليلى ورفاقها في النضال وأصدقاؤها عن المشاعر التي جاشت بهم عندما فُجعوا بخبر وفاة ليلى. وجاء الفصل الثالث تحت عنوان: ليلى كما رسمتها مجموعة من المبدعين ممَّن ربطتهم بها علاقات خاصة. أمَّا الفصل الرابع فحوى التغطية الإعلامية لحدث وفاة ليلى وما رافقه من فعاليات عرفتها البحرين، بينما ضم الفصل الخامس أحاسيس منيرة تُجاه والدتها ليلى مرتبطة بأزمنة وأماكن معينة، وقد كتبت هذه الأحاسيس باللغة الإنجليزية تحت عنوان "Memories Of a M0ther".

بلغ عدد من كتبوا عن الراحلة ورثوها وأبَّنوها وجُمعت كتاباتُهم في هذا الكتاب 66 كاتبًا من الوطن العربي والخليج والبحرين وعُمان.

وكأنَّ الرَّاحلة الكبيرة ساهمت في كتابة كتابِ ذكراها بعد موتِها الفاجع لأهلها ومحبِّيها، من خلال "كلمة شكر وتقدير" تصدَّرت الكتاب، ثم من خلال نصِّ توديعيٍّ تستذكر فيه أفراد عائلتِها ورفاقَ دربها الذين خاضوا معها النِّضال خلال مسيرة حياتها الحافلة بعطاءٍ استثنائيّ.

 

كلمة شكر وتقدير

لا أملك إلا أن أشكرَ جميعَ مَنْ حرص على أنْ يرى هذا الكتابُ النُّور، بدءًا من أفراد أُسرتي الذين تجاوبوا مع كافَّة المبادرات التي دعتْ للاحتفاء برحيلي، مرورًا بالأخوة والأخوات الذين وقفوا وراء تلك المبادرات، دون أنسى تلك الأقلام الصَّادقة التي تحدَّثت عن سيرتي فأبرزتْ محاسنَها، سواء كان ذلك في المناسبات التي أُقيمتْ أو في الصُّحف والمجلات، وأصلُ بالشُّكر إلى مَنْ جمع كلَّ ذلك بعناية فائقةٍ فحوَّلها إلى كتابٍ يحفظ التَّاريخ ويُحفظ من أجل التَّأريخ.

إلى هؤلاء جميعًا، دون القدرة على سرد أسمائهم جميعًا، أقف وقفة شكر وحُبٍّ وتقدير.

ليلى

 

عام على رحيلها

عام على رحيلها

 


قدَّم للكتاب شقيق الراحلة د. حسن عبدالله فخرو، وممَّا جاء في كلمته: "في ذكراها الطيبة هذه، وفي جمع الكثيرين ممن عرفوها وأحبوها، نرجو أن نتمكن من خلال مؤسسة هادفة "مؤسسة ليلى عبدالله فخرو لتنمية المجتمع" أن نقوم ولو بالقليل مما ضمرت للناس، أرادت للمحتاجين، للمجتمع، للطفل والمرأة إيفاءً ولو قليلاً لآمالها الكثيرة، آمالها النبيلة، وعسى أن تكون هذه لبنة إضافية في حياة طيبة الذكرى وحافلة بالعمل وإن كانت قصيرة".

وتحت عنوان الكتاب "ليلى ملحمة العطاء الإنساني" كتب زوج الراحلة السيد عبيدلي العبيدلي مدخلاً ألقى فيه الضوء عن قرب على بعض خصالها: "عفوية إنسانية مترامية الأطراف كانت تحكم سلوك ليلى اليومي، شخصيًّا كان أم مهنيًّا، ولربما ازدادت تلك الإنسانية حضورًا عندما يكون الأمر سياسيًّا، بل لعل العمل الإنساني المحض كان العامل الرئيسي وراء انهماك وعشق ليلى للعمل السياسي المضني...."، "حملت ليلى راية الإنسانية في كل موقع نضالي ولجته إبَّان العمل الطلابي، وكان ذلك في المراحل المبكرة من حياتها النضالية التي مدتها بالقدرة على إضافة مسحة الإبداع التي كان يحتاجها العمل النسائي في تلك الفترة، ثم في مدارس الأطفال في ظفار التي حولتها إنسانيتها أيضًا إلى حاضنات تربوية... حتى المحافل الدولية السياسية...."، "... وإن أنس لا أنسى هناك ليلى الزوجة التي حملت همومي قبل مصاعبها، وأولوياتي قبل متطلباتها، وأحلامي قبل مشاريعها، وأنانيتي على حساب عفويتها. سلامٌ عليك يا ليلى... ووداع مؤقت في انتظار لقاء قريب آمل أن لا يطول أجله...".


مراحل في حياة ليلى عبدالله فخرو

من مواليد المحرّق عام 1945.

• والدة منيرة وعائشة، وزوجة عبيدلي العبيدلي.

• تحمل ماجستير في الإحصاء من الجامعة الأمريكية في بيروت، وليسانس في الإحصاء من جامعة المستنصرية في بغداد.

• نجحت في نسخ وتوثيق علاقات بناءة متميزة بين وضعها العائلي الاجتماعي الميسور وقيمها المبدئية التي تنتمي إلى الفئة الاجتماعية الفقيرة التي حرصت على الدفاع عن مصالحها.

• حققت بنجاح وشفافية عالية الجمع بين الريادة وتقدم الصفوف والتضحية في العطاء ونكران الذات والإصرار على البقاء في المقاعد الخلفية عند الأخذ.

• رائدة من رواد العمل الاجتماعي والسياسي والأعمال في البحرين.

• انخرطت في العمل السياسي في عام 1964م، وكانت من أوائل الكوادر النسائية البحرية اللواتي تبوأن مواقع قيادية فيه، وأثبتت من خلال ذلك قدرة فائقة على التخطيط، ناهيك عن قدرات متميزة في العمل الإداري والتنظيمي.

• خلال فترة دراستها في بيروت في الستينات مارست دورًا رياديًّا في مسيرة الحركة الطلابية البحرينية من خلال عضويتها في رابطة طلبة البحرين هناك، وكانت رئيسة لجنتها الثقافية في الفترة من 1967م إلى 1968م، قبل التحاقها بالثورة المسلحة في ظفار.

• كانت ركنًا رئيسيًّا في التأسيس لجمعية أوال النسائية في عام 1968م التي وضعت معايير جديدة متقدمة ومميزة للعمل النسائي في البحرين.

• أسَّست بنظرة ريادية، خلال عملها النضالي في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير الخليج، مدارس الثورة، وكانت أول تجربة لمحو الأمية في صفوف أطفال المناضلين، تطورت بفضل ليلى (هدى) الريادية إلى مدارس تخرج فيها الفوج الأول من حملة الشهادة الثانوية في سلطنة عُمان، وإن كان للتاريخ أن يُنصف فيمكن القول إنها أول من أسس التعليم الحديث في عُمان.

• خلال سنوات المنفى أسَّست دار دلمون للنشر في قبرص، والتي كانت- بفضل قدرات ليلى الإدارية وشخصيتها الريادية- دار نشر عربية رائدة في إصدار الأعمال التوثيقية المتميزة التي كان من بين أهمها الدوريات الفصلية المتخصصة: محتويات الدوريات العربية، والذاكرة الفلسطينية، والكشَّاف الإسلامي.

• أدركت أهمية تقنية المعلومات في تعزيز دور المرأة اجتماعيًّا، وتمكينها سياسيًّا، فأسَّست بعد عودتها من رحلة النفي والإبعاد التي استمرت ما يزيد على خمسة وعشرين عامًا، مع مجموعة من المهنيين والأكاديميين البحرينيين، في عام 1995م، شركة النديم لتقنية المعلومات التي تخصصت في صناعة الخدمات الإلكترونية على الإنترنت.

• مارست دورًا مهمًّا في إعداد وتحرير مجلة مواد مجلة "آفاق علمية" خلال الفترة بين 1995 و2000، وهي أول مجلة علمية شهرية متخصصة غير مُحكَّمة في البحرين.

• في عام 2001م، وبرؤية ريادية لامتناهية جمعت ليلى بين جمعية سيدات الأعمال البحرينية وشركة النديم لتقنية المعلومات في مشروع نسائي ريادي مشترك على الإنترنت هو بوابة المرأة (womengateway.com) الذي أصبح أهم موقع نسائي عربي على الإنترنت. تشهد على ذلك الشهادات والجوائز المحلية والإقليمية والعالمية التي حازها، ومن أهمها الجائزة العالمية للمحتوى الإلكتروني- فئة الاحتواء الإلكتروني (e- inclusion) لعام 2005م، والعديد من الجوائز الأخرى الإقليمية والوطنية.

• على الرغم من ظروفها الصحية القاسية التي كانت تعيشها لم تتوقف ليلى عن العطاء، بل أصرت على أن تواصل دورها السياسي وعطاءها المهني والأساسي، فكانت رمزًا للمعارضة السياسية المستقلة، ونموذجًا لسيدة الأعمال البحرينية الناجحة المتميزة، وقدوة لربة الأسرة المسؤولة.


خذلتني رئتاي

ليلى عبدالله فخرو


عنوانُ كتابٍ كنتُ أطمحُ أن أجمع بين دفَّتيه معكم أوراقي المبعثرة.. أجمع فيها مشاهد يتداخل فيها، دون هوامش مصطنعة، الخاص الشخصي مع العام الوطني.. أن أنقش فوق صفحاتها سيرة ذاتية.. لم تخذلني عن ذلك سوى رئتيّ.


والدتي..

شيخة العلماء في فقه التربية، زرعت شجرة حُبٍّ وارفةً ظللتنا ورويتِها حنانًا فاض وتدفَّق فينا.. جبلتِنا على الحُبِّ.. حين يُفتِّتشون عن سرِّ تواصل أسرتنا يجدونها مطرَّزةً بخيوط من ذهب في حنايا قلبِكِ.. عذرًا غادرتُكِ دون إذنٍ أو قدرةٍ على العودة.. لقد خذلتني رئتاي.

الطفولة

الطفولة


عائشة وبسمتِكِ الأبديَّة.
.

شاء القدر أن تعودي حاملة معك أمينة وابتسامتِكِ وبرفقة علي.. نشرت في البيت حُبًّا ملائكيًّا لا تُفارِقُه بسمتُكِ التي تحتفظين بها في أحلك الساعات، يُعانقُها بطفولة عفْويَّة دبيبُ أمينة وضجيجُها الذي لا تَكُفُّ عنه، وتعليقات علي التي تُرغِمُنا على الابتسامة دون إرادة.. أمنيتي أن يستمرَّ المشهدُ الذي يعزُّ على عجزي عن الاستمرار في الاستمتاع به معكم.. فمن جديد خذلتني رئتاي.


منيرة دِقَّتُكِ المطلوبة دومًا..

كعادتِكِ قمتِ بكل ترتيبات رحلة علاجي الأخيرة إلى بوسطن، لم تدعي مجالاً لأيِّ خطأ.. كريس بهدوئه المتناهي وسامي بهديل عربيَّته المستشرقة.. جميعكم عزفتم لحن توفير السَّعادة لي.. في داخلي كنت أحضن أملاً غير طبيعي يشوبه بعض الخوف من فشل محتمل بين المنزل والمشفى.. يتكرر المشهد.. كم تمنيت أن تطول مسافتُه وزمنُه من جانب، وأن نضع حدًّا لهذه الرحلة المرهقة من جانب آخر.. لكنَّ رئتيَّ مُصِرِّتان على الخذلان.


إخوتي.. لولوة.. حسن.. عصام.. بثينة.. عادل.. وأخيرًا وليس آخرًا يوسف

لكل منكم مكانتُه في حضن فؤادي الصَّغير.. لولوة بعطائها اللامحدود وأمومتها المترامية الأطراف.. حسن بمسؤوليته الصَّارمة وأُبوَّتِه المبكرة.. نفخر بها دون أيِّ استثناء.. عصام وصِلَة الرَّحِم الشَّفَّافة المشوبة بإيمانٍ لامتناهٍ تغمر به الجميع.. بثينة وقلب واسع من المحبَّة يتجاوز المسافة والزَّمن.. عادل الحاضر دائمًا المتأهِّب دون توانٍ.. نحن نحتاجك يا يوسف.. حملتُكَ صغيرًا وحملتني كبيرة.. كنتَ حِملاً رقيقًا، أمَّا حِمْلي فقد كان عبئًا ثقيلاً.. عفوًا إخوتي لقد غادرتكم سريعًا ودون سابق إنذار.. لقد خذلتني رئتاي.


رفاق الدَّرب.. قائمة لها بداية دون نهاية أبو أمل.. أبو منصور.. راشد.. فهد.. جهاد.. المحمدان.. سلطان.. حميدان.. صالحة.. سبيكة.. فوزية..

عيِّنةٌ تحضُرُني لقائمة لا أستطيع أن أصل لنهايتها.. فالعذر من الآخرين.. كم هي جميلةٌ ذاكرتُنا التي لا يعرف نكهتَها إلا من عاشها.. يغسل مُرَّها الحلوَ منها.. وتُنسينا انتصاراتُنا هزائمَها.. لكلٍّ منَّا طعمُه الخاصُّ المتميِّزُ لدينا دون سوانا.. هدى بنت الأغنياء.. ماما هدى.. جيلٌ آخر.. مقاطع من عناوين مقالاتِكم.. لا تخافوا لقد استمتعتُ بقراءتِها جميعًا، قرأتُها في أجواء تصدح فيها أنغامُ سيمفونية لم أحلُم بها.. وهي الأخرى لكلٍّ منها نكهتُه الخاصَّةُ التي تمتعنا دون سوانا.. كم كنتُ أرغبُ أن أكونَ قلمًا من بين أقلامها.. لكن عذرًا.. لقد خذلتني رئتاي.


حلفاء الطَّريق..

كم أنا سعيدةٌ عندما وجدتُ أبا قيس ينتظرُني بابتسامتِه المعهودة.. كنتُم تُهيلون التُّرابَ وهو يُلوِّح من بعيد مرحِّبًا.. قضينا اللَّيلة الأولى يسألُني فيها عن "أبو غسان" والنعيمي ود. مدن ويعقوب وآخرين، ويتوقَّف لسببٍ ما عند أحمد الشَّملان.. أُطمئنُه فيرتاح.

في اللَّيلة الثانية.. نتجاذب أطرافَ حديث لم يُتِحْ لنا آخرون تداوُلَه.. كان سبَّاقًا كعادته ففتح لي صدرَه وتحدَّث، ولم أتردَّد في مسامرتِه وإكمالِ حديثٍ نتمنَّى أن تُكملوه.. دعوا المراجعةَ جانبًا.. رفاقًا وحُلفاءَ.. وحلِّقوا معنا في سماء واسعة رحبة.. عندها ستكتشفون ما اكتشفناه أنا وأبو قيس.. أمورٌ كثيرةٌ كنَّا قد اختلفنا عليها.. وجدنا أنفسَنا متَّفقين عليها.. افترَّ ثغرانا عن ابتسامة اختلط فيها الحزنُ بالألم.. طلب منِّي أن أسردها.. أكملوا أنتم واعذُروني.. فقد خذلتني رئتاي.


بؤبو الفؤاد أبو العيس

من منَّا هنا لا يعرف أبو العيس؟.. هنا يخذِلُني فؤادي قبل الرِّئتين.. تتداخل مشاهدُنا بشكل عفْويٍّ تنظيمُه ضربٌ من المستحيل.. أضفتُ من أجلك إلى عمري عشرين شهرًا.. تحاملتُ فيها على نفْسي رغم آلامي المُبرِّحة.. كنتُ أتنفَّسُ من قلبِك لا من رئتيَّ.. كنتُ أستجيبُ لندائكَ الملائكيّ.. "ليلوه لا تتركيني وراءكِ وحيدًا.. أنا في أمسِّ الحاجة إليك".. تُكرِّرُها لحنًا يُرغمُني على تجاوز آلامي.

سحرُ كلماتِكَ حين تَنطقُها تسري في شراييني.. فتُنسيني كل تلك الآلام.. تتسلَّل إلى المستشفى سِرًّا وتحت مُبرِّراتٍ لا يعرف أحدٌ سوانا.. أنَّها كانت خلواتٍ صوفيَّةً نذوبُ فيها عشقًا لامتناهيًا.. ليالٍ كنَّا نقضيها معًا رغم كلِّ الآلام كي نتحدَّث فيها عن كلِّ شيء.. لا تكفُّ عن مداعباتِكَ الطُّفوليَّة ولا أملكُ إلا أن أستجيب.. أرى الحُبَّ في عينيك بوهيميًّا.. نتماهى فتتلاشى الحدودُ إلا من نهر حُبٍّ متدفِّق.. كنتُ أُصلِّي كي تستمرَّ خلواتُنا تلك رغم كلِّ آلامي.. وصَدَقَ مَنْ قال إن الحُبَّ دواءُ كلِّ داء.. لكن من جديدٍ ورغم كلِّ محاولاتِكَ ورغم جهودي.. تخذلًني رئتاي.


الورقة الأخيرة

ردِّدوا معي في صمتٍ أسْمَعُه.. الوطن حُبٌّ متناهٍ. وحُبُّ الوطن دَيْنٌ فرضٌ لا يقبل المساومة أو التأجيل.. وهذا الدَّيْنُ طريقُه طويلٌ ومتواصل تتوارثُه الأجيال.. وتلك الأجيالُ القادمةُ لا محال لا تقبل اليأس.. واليأسُ فيروسٌ قاتلٌ لا ينبغي أن يتسلَّل إلى قلوبنا.. وقلوبُنا واسعةٌ مفتوحةٌ لحُبٍّ متدفِّقٍ للوطن.. واعطوا حقَّ الاعتذار لكلِّ مَنْ أخطأ بحقِّكم، واقبلوا اعتذارَه.. لا تغفروا لمَنْ أخطأ في حقِّ الوطن.. فليس من حقِّكم أن تغفروا له.. أشكركُم وكم كنتُ أتوق إلى إنشاد هذه الورقة الأخيرة معكم، لكن.. ليس باليد حيلة.. فقد خذلتني رئتاي.. لكنَّ حُبَّ الوطن أقوى.


في ما يلي مقاطع من مراثي وتأبينات بعض الكتاب:


رضي الموسوي


لم تكن ليلى عبدالله فخرو امرأة عادية، بل هي استثناءٌ بكل المقاييس: حين انخرطت في العمل السياسي المُعارِض وهي بنت الأغنياء التي كانت تدرس الرياضيات والإحصاء في الجامعة الأمريكية ببيروت في الستينيات، لتنتقل بعدها إلى صفوف الثوار في ظفار، الإقليم الجنوبي لعُمان، مقدمة نموذجًا آخر غير الذي كان يعرفه أبناء رعيلها وأبناء جيلنا والجيل اللاحق، نموذجًا آمن بأنْ لا حياة مع الاستعمار والجهل والأمية.

أيام الثورة في ظفار

أيام الثورة في ظفار

ليلى، هدى أو "بنت سالم" كما يحلو للإخوة رفاقها العُمانيِّين أن يُسمُّوها، يعرفها كثيرٌ من العُمانيين أكثر من أبناء وطنها، فقد كانت هناك تؤسِّس جيلاً بأكمله عبر التعليم، عندما كانت المدارس ممنوعة، ولبس النَّعل ممنوعًا، ولبس النظارات ممنوعًا أيضًا.

يعرفها ذاك الجيل الذي أسهمت ليلى في إخراجه من ظلمات الجهل والأمية إلى العلم والنور، كادر تمكن فيما بعد من مواصلة دراسته بعد أن مرَّ في مدارس الثورة، وشكل كادرًا متقدِّمًا في سلطنة عُمان اليوم، ما جعلهم يُكرِّمونها قبل سنواتٍ عرفانًا لما قدَّمته ليلى لهم.

رحلت ليلى عبدالله فخرو ولم تقل كلمتها التي انتظرها كثيرون. لم تكتب سيرتها، سيرتنا، بل سيرة إقليم بأكمله.


د. حسن مدن


في سنوات لاحقة أُتيح لي شخصيًّا أن أُقابل تلاميذها وتلميذاتها في دمشق وبيروت وموسكو وكوبا، بل إن بعضهم باتوا زملاء دراسة ورفاق كفاح في العمل الطلابي والوطني، أولئك الذين تعلموا الحرف على يديها أو في المدرسة التي أقامتها، غدوا كوادر ساهموا ويساهمون في نهضة عُمان الحديثة، لقد أخذتهم ليلى عبدالله فخرو إلى النور، والعلم نور، أخذتهم إلى الحياة.

الثورة بالنسبة إلى هذه الإنسانة النادرة هدمٌ وبناء، هدم القديم البالي الرجعي، وبماء الجديد، والجديد لا يمكن بلوغه إلا بالعلم، لذا لم يكن أولئك الذين تلقوا العلم على يديها إلا بناةً للمستقبل، في معناه الشامل. ومن هنا لا يصح الفصل بين ليلى عبدالله فخرو المربية وليلى عبدالله فخرو المناضلة والثائرة، التي دفعت ضريبة موقفها الوطني الشجاع بالغربة الطويلة عن وطنها، متنقلة من منفًى إلى آخر، مثقلة بالمرض الذي داهمها في شبابها المبكر وهي تكافح في أرض بعيدة عن مسقط رأسها، ولكنها حسبتها أرضًا أيضًا غير آبهة بالحدود والحواجز وممرات الجوازات، وتعاطت مع أهلها هناك بوصفهم إخوانًا وأخوات وأبناء وبنات لها.


عبد النبي العكري


ليلى عبدالله فخرو ابنة عائلة كريمة أنجبت وطنيين بارزين ورجال أعمال ناجحين وشخصيات مرموقة في مختلف مناحي الحياة، لكن ليلى عبدالله فخرو ومنذ مرحلة الدراسة الجامعية في بيروت اختطَّت طريقًا متميزًا، طريق النضال الوطني في ظروف العمل السِّرِّيِّ المحفوف بالمخاطر، فانتمت إلى حركة القوميين العرب، وانحازت إلى التيار اليساري فيها، والحركة الثورية في عُمان والخليج العربي، وعندما توحدت فصائل يسارية في البحرين في إطار الجبهة الشعبية كانت ممَّن أسهموا في هذا الحدث التاريخي.

عرفتها في بيروت أثناء الدراسة الجامعية والعمل الطلابي والوطني، كتومةً، فاعلةً، ومتواضعةً، وصريحة في نقدها، وحنونةً تُجاه رفاقها.

الدراسة والانخراط في العمل الطلابي

الدراسة والانخراط في العمل الطلابي

عرفتها في ظروف العمل السري في البحرين كتومة أكثر ونشطة ومثابرة، كانت تحمل في روحها روح التمرد لكن التمرد البنَّاء، ونشطت في مجال العمل الحزبي والنسائي.

وعندما طُلب منها أن تذهب لمهمة أخطر، ألا وهي الذهاب إلى ظفار، لم تتردد وتركت وراءها حياة الدَّعة إلى حياة المخاطر، وهكذا انتقلت إلى ظفار حيث كانت الحرب على أشُدِّها والمخاطر محدقة في كل زاوية وفي كل دقيقة.

أنشأت من العدم مدرسة الثورة كأول مدرسة في المنطقة المحررة، في مجتمع متخلف لا يعرف حتى العجلة، ولا اللغة العربية، ووسط قصف المدافع وغارات الطيران والاستنفار العسكري أقامت الخيام التي هي عبارة عن صفوف في الهواء الطلق. جلبت الكتب من اليمن الديمقراطية، ونظمت المدرسين من شباب الجبهة الشعبية ووضعت المنهاج المدرسي؛ هي المديرة والمدرِّسة والمشرفة والطبيب والحارس اليقظ التي لا يغمض لها جفن إلا لُمامًا، ففي رقبتها أكثر من 500 طفل من عمر 6 سنوات وحتى 15 سنة.

يالها من امرأة رائعة وقوية وشجاعة تحملت مسؤولية بثقل الجبال ولم تتذمَّر ولم تشْكُ.


منيرة فليفل


... إليك ما أودُّ أن أطمئن إليه: أريد أن أراك تُسندين رأسَكِ بيديك في جلسةٍ مريحةٍ في مكان برح تُراقبيننا ونحن نتخبَّط في حياتِنا، نُحاول جمع القطع المتناثرة من حياتِنا بعد أنْ تعثَّرت برحيلك المُباغِت، جاهدين في إعادة التأقلم في عالم الظلمة الذي خلَّفه رحيلك.

... لقد وقع علينا كلينا، أنا وشقيقتي، خبرُ رحيلك في مساء الخميس الدافئ في 12 سبتمبر 2006 كي يسلب منَّا أعزَّ ما لدينا وأغلى امرأة في حياتِنا. لقد كشَّر الموتُ في وجهِنا ثم انهال على جسدِكِ النحيل كي يفترسَه بكلِّ قسوة. كنَّا مسلوبي الإرادة فواجهنا الموت دون حيلة، لأننا نعرف أنه لا يُمكننا عمل شيء لمنع القدر.

...

...

...

ماما ليلى..

استرخي في مأواك الأخير في سلام.. مرتاحة البال، قريرة النفس.


سماء عيسى


أسمعُهم يتحدَّثون عن ليلى

عنِ انكساراتِ البحرِ

وزحف الصَّحراءِ

وكأنَّ ألمًا يعتصِرُكِ

حتَّى الصَّمت.


لم نكنْ نُدرِكُ

أنَّكِ في الصَّمتِ المقدَّس ترحلين

ترحلين...

نحو الشَّمسٍ

التي تُقْتِ لرؤيتِها

صافيةً عذبةً

تُشْرِقُ على وجناتِ

أطفالِ الجبلِ البعيد.

وكأنَّ ريحًا حملتْ

ما يُشبِه الألمَ

ويَعْتَصِرُ القلبَ

أو ما يأخُذُ مِنَ الحياةِ

اللَّبب.


عبدالله حبيب


في برهة مفصليَّةٍ من تاريخ البلاد هذي، وهذي المنطقة، جاءت تلك الشابة الحالمة، والمثقَّفة، والجميلة إلى أبعد الحدود، سليلة العائلة الثرية التي تضرب جذورُها في التاريخ الثقافي والوطني والاقتصادي البحريني، من بيتِها المرفَّه الكبير المزوَّد بكلِّ ما له علاقةٌ بالرَّغَد وبحبوحة العيش، إلى عدن المتقشِّفة، والمحاصرة، والمضطربة، والمرتبكة في سياق الدور الذي كانت تُريد القيام به على الرَّغم من إمكانيَّاتِها الصغيرة، ثم إلى ظفار المعزولة عهدذاك عنِ التاريخ، وذلك ضمن مكابداتٍ وأهوالٍ سيجد بعضُنا صعوبةً كبيرةً في تصديق بعض تفاصيلها. ونظرًا للظروف الصحية، والمناخية، والغذائية، والحربية الصعبة في الجبل، والتي كانت تَفُتُّ عَضُدَ الأكثر بأسًا وذدَّةً من الرجال الصَّناديد، أُصيبت ليلى عبدالله فخرو بمرض السُلّ الذي لازمها بقيَّةَ حياتها.

لا أُريد أن أقول هنا إن من أراد نشر العلم والمعرفة يُكافأُ بالسُّلّ، ولكنِّي أريد الجزم بأن كلَّ من يتلبَّسُه التاريخ إلى ذلك الحد يُصاب بأوجاع الإنسان صانع التاريخ جميعها (كان ماركس في المخطوطات قد أطلق صيحتَه أن الناس هم من يصنعون التاريخ وليس التاريخ هو من يصنع الناس، ومن الواضح أن ليلى عبدالله فخرو وافقته على ذلك).


محمَّد الشّحري


سأقف عند كل شجرة وظل صخرة من هذه الأرض التي حلمتِ يومًا بتحريرِها، وأتلو مشيدي المهزوم، فقد سئمتُ الهمسَ في آذان الصَّمت والخوفَ من ظلال الشَّكّ والارتياب.

سأُناديك يا طفول، يا جرحنا الغائر، يا صوتَ الأرض المغدورة، يا أنينَ المقهورين. سأفتح صناديقَ الأسرار وكل الخزائن المغلقة، وسأُقرئك الذكرى والحنين، فكلَّما هربتُ من الماضي إلى النسيان أجد شيئًا يتربَّص بي في زوايا الذَّاكرة، أجده يَطرُقُ عليَّ الأبواب وأحيانًا يستهزئ بي قائلاً: أيها المناضلُ المخدوعُ ماذا حصدتَ بعد هذه السنين؟!

...

...

نعم حاولتُ أن أنساكِ، أن أقطعك من جسدي. كأنكِ لم تكوني مني وأنا منك وتنازلت عنكِ، عندما رأيتُ أن كلَّ مَنْ سترناه عرَّانا أمام الخلق، وحابى الغيرَ وأقانا في الهجير، فمن نلوم بعد الآن. من نلوم ونحن نسير خلف من أدخل الغريبَ إلى دارنا وقدَّم إليه أمنا ونحن عنه غافلون؟


* نُقلت هذه المادة من كتاب "ليلى ملحمة العطاء الإنساني" بعد الحصول على إذن كتابيٍّ من السَّيِّد عبيدلي العبيدلي زوج الرَّاحلة الذي كتب- بحميميَّة بالغة- في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى صاحب المدوَّنة ردًّا على اسئذانه بنشر مقتطفات وصور من الكتاب: "إن كان هناك من يملك حقا فيما ورثناه جميعا من "عطاء ليلى الإنساني" اللامتناهي فهم أبناء عُمان الحبيبة. لذلك فأصحاب الحق هم الذين يبيحون للآخرين ما خلفته ليلى للإنسانية"، علمًا بأنَّ الواقع أثبت حتَّى اللَّحظة تقصير العُمانيِّين في تقدير الرَّاحلة وإيفائها حقَّها عليهم- اللَّهمَّ إلا ثلاثة كتَّاب- حسب علمنا- نقلنا أعلاه مقاطع من تأبينهم. الشكر للسَّيِّد عبيدلي، ونرجو أن يتقبَّل ومنيرة وعائشة وعائلة الرَّاحلة خالص العزاء في الذكرى الأولى لوفاتها، وتغمَّد الله الفقيدة المناضلة بواسع رحمته.


 



( تصنيفات: )
نشره مجهول يوم أرب, 2008-03-26 11:21.
التاريخ العماني الذي تعلمناه في المدارس نصفه مزور إذا لم يكن كله، لا نعرف أي جزء منه تحديدا كان الصدق، لذلك لم يتبق منه في الذاكرة سوى بعض الأسماء التي تتكرر حتى تمجد وتعظم، بيد أنها بالنسبة لنا تظل مجرد أسماء، تاريخنا مغيب ولسنا نعرف إن كانت الكتب التي نجدها بين الفينة والأخرى تتحدث عن شيء منه حقيقي، لسنا نعرف إذا ما كانت هذه الكتب تزيد في بلّ طينة الكذب والتزوير والتغييب، أم أنها تحاول مسح القليل من غبار التجاهل وإبراز الحقيقة.. اسألوا الجيل العماني الجديد واختبروا ثقافتهم في تاريخهم المجيد، فهم لا يعرفون أكثر من أنهم درسوه في كتاب التربية الوطنية أو التاريخ للنجاح في الامتحان والانتقال إلى الصف الذي يليه.. كما أن الجهل بهذا التاريخ غير كاف، لأنكم ستجدون اللامبالاة من هذا الجيل تجاهه..أي حس وطني نمى في قلوبهم وعقولهم؟؟ لا تتوقعوا الكثير من نتيجة الكذب. تاريخنا كان يمجد العبودية واستغلال البشر والعنصريةوالقبلية، وللأسف لايزال يمارس هذا بشكل مجتمعي لم تمحه سنون الحضارة والانفتاح التقني والتجاري على العالم..ولم يكن العمانيون في يوم من الأيام ليعترفوا بفضل أي من اخوانهم الخليجيين أو العرب عليهم في اي شيء كان، لذلك فهو طبيعي جدا أن تغيب أسماء من شارك في ثورة ظفار أو غيرها، وليش عجبا أن نكتشف أن الكثير والكثير من العمانيين لا يعرفون عن هذه الثورة إلا احتمال أنها حصلت وبدون تأكيد..في رأيي هذا ليس جهلا متعمدا قدر ما هو خوف من مصادر استقاء المعلومات وضعف ثقة في أي المصادر أصدق وأحيد. كما أن ما نسمعه من آباءنا والكبار في السن الذي عايشوا تلك الفترة يختلف عما تعلمناه وشاهدناه في أعظم عمل فني أو تلفزيوني أو سينمائي عماني بمناسبة أحد الأعياد الوطنية ألا وهو "عمان في التاريخ". وأخيرا هل يكفي من ساعدوا العمانيين في تاريخهم ولازالوا في أن يعتذر لهم الشعب العماني عن هذا التغييب عبر المنتديات والانترنت فقط؟؟ ذلك حتى لا تتوقعوا اعتذارا رسميا فهذا هو المستحيل بأمه وأبيه..
نشره مجهول يوم ثلث, 2008-03-25 11:49.

كيف للعماني المعاصر ان يذكر هذه المناضلة ؟ با عزيزي العماني ما زال يجهل الكثير الكثير عن ما حدث في تلك الفترة، ماذا يعرف العماني عن زاهر المياحي( أحمد علي)، مسلم بن نفل، عبدالعزيز القاضي، حمدان بن سيف الضوياني،والكثير الكثير من الاسماء التي ما يزال بعضها على قيد الحياة وبعضهم من طوته سكة الموت إلى مجاهيل التاريخ، لماذا لا يتحمل الذين ما زالوا على قيد الحياة المسؤولية الادبية والاخلاقية والتاريخية لتدوين مرحلة مهمة من مراحل عمان، هل سنعود بعد فترة ونردد اللوم الذي ردده السالمي في تحفته عن تجاهل العمانيين في سبيل تدوين تاريخهم، بعمنى آخر من يدون التاريخ؟ أليس ذلك واجب تاريخي واخلاقي يشترك فيه من له صلة بصناعة الاحداث أو حتى من لديه وثائق وقدرة على تدوين اللحظات التاريخي قبل أن تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد؟

صاعد بن علي

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق