حمود الشّكيلي ومهازل الادِّعاء العامّ والقضاء عدوُّ الإبداع

سالم آل تويّه

    عندما كتب نيكوس كازنتزاكي روايته الشهيرة "زوربا اليوناني" استقى الملامح العامة لشخصية "زوربا" من شخصية حقيقية تُدعى "جورج زوربا"، لكنَّ بونًاً شاسعًاً بين هذه الشخصية وتلك. الدم الذي يسري في زوربا الرواية يفارق ذاك الذي يسري في أوردة زوربا الواقع، حتى قيل إن شخصية زوربا في الرواية مصنوعة، مستحيلة، لا يمكنها التحقق على أرض الواقع.
    طالما كانت الحياة بشخوصها وأحداثها وعوالمها مادة السرد الخام الطازجة الرئيسة الأساس غير المُستغنى عنه. الأمور دائمًا لا تؤخذ على علَّاتها، لا تقبل الرقابة والتحقيق والمحاكمة، وخاصة هنا، في قضية القاص حمود الشكيلي المُفتعَلة. إنَّ من ينظر في هذه القضية يقول بمنتهى البساطة: في هذه الحالة جميع القاصين العُمانيين (والروائيين وكل من سرد حكاية منهم والشعراء أيضًا) مرشحون للتحقيق والمحاكمة، والأسباب كثيرة ليس أولها تشابه مناخات الأماكن العُمانية –وخاصة قُراها- وتشابه الأسماء فيها، وليس آخرها سعي أغلب السُّرَّاد إلى تسمية شخصيات قصصهم بأسماء غريبة في نهاية المطاف مؤكَّدٌ أنها لن تكون مستلهمة من أسماء قرويِّي كوكب المريخ بل هي من شحم ودم المجتمع، ومهما كانت غريبة يتكشف الأمر في النهاية عن أنها –حسب الواقع وأحواله ومجرياته- مستنسَخة آلاف المرَّات، هنا وهنا وهناك في مجتمع لا يمثل له الأدب شيئاً إلا بقدر ما تسمح به المصادفات النادرة.
    النص الإبداعي يحفر قنواته، يبني عالمه الخاص به وحده- وإن احتفظ بمرجعيات يستمدها من الواقع المرير- ويتصاعد ويكبر وتتشكل ملامحه بفعل الإبداع نفسه وأدواته وعناصره لا بفعل التسجيل والنقل المباشر، لأن الواقع/ المادة الخام شيء والإبداع صيرورة أخرى يصبح لها اعتبارها ووجودها المستقلان غير القابلين لانتزاعهما من سياقهما الجديد.
    استعارةُ شخصية من الواقع وصبُّها في قصة قصيرة عملية تخضع لشروط عديدة أهمها الإمكانيات الاستثنائية التي تُمثِّلها الشخصية الواقعية المستعارة. ليست كل شخصية آسرة، هذا في الواقع وفي القصة أيضًا، وهي على مقتضى السياق دائمًا لا تنشز عنه وإلا فهلاكها محتوم. وينبغي عدم نسيان الدور الخلَّاق للخيال الذي هو بمثابة خلطة الكاتب السِّرِّيَّة غير المشابهة لأخرى غيرها، لكن، في جميع الأحوال، لا يمكن نهائيّاً أن يستوحي الروائي أو كاتب القصة شخصية لم يقابلها أو لم يعرفها قطّ. قد يحدث هذا في صياغة الشخصيات التاريخية، كما هو الحال في رواية "ليون الإفريقي"- مثلًا- وأغلب روايات أمين معلوف، أو في رواية "الطريق إلى أصفهان أو ابن سينا" للروائي جيلبرت سينويه، فمعرفة الشخصية هنا ليست مباشرة وإنما مستدعاة من كتب التاريخ التي بناءً عليها عمل خيال الكاتب وقلمه، لكن، لأسباب باتت أوضح من أن تذكر، لم يحدث هذا ولا ذاك في قصة "رحلة الحمار" للقاص حمود الشكيلي الذي يقول حرفيّاً في محضر تحقيق الادعاء العام إنه استوحى اسم محمد عبيد في قصته "رحلة الحمار"، وكذلك "أسماء هذه القصة"، من خلال قراءته لكتب سابقة ومن الخيال.
     أحد معاني "الواقع" هو "الساقط"، أي ما تأتي الكتابة لتنتشله وترفعه من وقوعه وسقوطه إلى مصافِّ الإبداع. القصة هي أصل الخليقة جمعاء، قبلها وبعدها، ومعناها الغائر السحيق. من دون قصة سنتعطَّل، سنموت: لأننا حتى وإن لم نقرأها مكتوبةً تكتبها أفعالنا وحركاتنا ومسار حياتنا حتى الموت.
    هذه هي المرة الخامسة التي يتعرض فيها كاتب عُماني للتحقيق والمحاكمة بسبب قصة قصيرة كتبها ونشرها في صحيفة أو في كتاب. القضايا الأربع السابقة كانت ضد كل من القاصين يحيى سلام المنذري وسعيد الحاتمي الذي بسبب تجربته المرة كتب قصة "ليلة في السجن"، والشاعرة بدرية الوهيبي التي قيل وقتها إن حافلة كاملة ذهبت للشكوى بها في جهة عملها بعد مادة نشرتها في إحدى الصحف المحلية الكسيحة. وليس بعيدًاً عن هذه القضايا اتُّهم الكاتب خميس قلم قبل سنوات بإهانة الذات الإلهية والنبي سليمان في قصة قصيرة كتبها وفازت في إحدى المسابقات المحلية!
في جميع هذه القضايا كان الكاتب هو الضحية والمجتمع هو الرقيب الشاكي والادِّعاء العامّ هو الفرعون الأكبر المتسلِّط المتغطرس.
ترى هل ننتظر أن يقوم الادِّعاء العام بطل الأبطال هذا أن يتحامق ويتغابى ويستشرس أكثر ويمضي في تلفيق القضايا ضدَّ الكُتَّاب حتَّى يبلغ العدد خمسين وخمسمئة؟!

    الآن حمود الشكيلي إذن! أي أن الخطأ يتكرَّر، الجريمة تتكرَّر، جريمة في حق الكاتب والإبداع وحريتهما، وليست جريمة ارتكبها الكاتب، جريمة في حقّ المدَّعين أيضًا!
 في أي قضية يجب ألا يؤخذ إلا بالدلائل والبراهين والبيِّنات، ومجرد ورود اسم "محمد عبيد" ليس دليلاً على الإطلاق لاتهام حمود الشكيلي بأنه يقصد شخصًا بعينه: أوَّلاً لأن الشكيلي أنكر التهمة، وأنكر الاتهام المباشر أيضاً بأنه يقصد بـإخوة "محمد عبيد" في القصة إخوة المدَّعي، علمًا بأن القصة لا تُسمِّي الإخوة. وثانيًا لأن الاستناد القانوني العُماني في قضايا إهانة الكرامة والتشهير يعتمد بالدرجة الأولى على الاسم الثلاثي والقبيلة!
     أسماء الشخصيات- أي شخصيات- في القصص سيكون لها مثيلها في النهاية على أرض الواقع، وفي عُمان بالذات كم وكم وكم تتشابه الأسماء! يمكن للادعاء العام إحصاء عدد من يحملون اسم "محمد عبيد" في البلاد كاملة وستكون النتيجة فريدة من نوعها، وساعتها يمكن للادِّعاء المُعظَّم –أيضًا- التحريض على أن يرفع كل ذلك العدد قضايا تشهير ضد حمود الشكيلي! (طالما كان الأمر برمته مجرد اسم واستقواءً محضًا وفهمًا مقلوبًا لدور الادِّعاء العامّ ورغبة فانتازية قاتلة في الإضرار). وحتى لو بحث الادعاء عن أحداث في الواقع توافق أحداث القصص وأسماءها فلن يعدم حيلة في نهاية المطاف، وسوف يجد، وسوف يستطيع التأكد من أن الأحداث نفسها تتطابق وشخصيات واقعية كثيرة أخرى قد لا تحمل أسماء القصة! علينا أن نستدرك هنا ونقول إن هذا لم يحدث في قصة الشكيلي، بمعنى أن الاسم ليس هو المحور في قصته. تُثبت هذا المفارقة في الواقع التي صنعت قصة أخرى (واقعية) للاسم، فقد أوردت جريدة "الزمن" على لسان حمود الشكيلي أن اسم الشخصية الرئيسة في قصة "رحلة الحمار" كان "محمد عيد"، وبعد أن نشرها في إحدى الصحف المحلية جاءه من يقول له إن هناك شخصًاً في الواقع يُسمَّى "محمد عيد" وإنَّ الأفضل تغيير الاسم. وانصاع حمود للنصيحة وغيَّر الاسم إلى "محمد عبيد"! أي أنه وقع في ما هرب منه، على الرغم من أن محمد عيد الواقع قرأ اسمه في قصة حمود فأعجب بالقصة!
    
    المجتمع بحاجة إلى توعية. جميع الكتاب ضد إهانة الكرامة وتناول خصوصيات الناس في قصص قصيرة أو في روايات أو في مقالات أو في غيرها، والأمر هنا ليس على هذا النحو السَّاذج، فلا شيء إطلاقًا يدعم اتهام حمود الشكيلي بإهانة كرامة أحد. القصة محل الدعوى يمكن قراءتها والتأكد من قراءتها الأولى من عدم الاتفاق بين مسار أحداثها وبين التهمة. الاسم ليس دليلًا يمكن التعويل عليه، لأنه اسم مشاع وليس اسمًا خاصًّا بصاحب الدعوى، ولا توجد أصلًا أي معرفة سابقة بين الشكيلي وصاحب الدعوى، وبالتالي لا توجد نوايا مُبيَّتة أو عداوات أو ما شابهها انطلق منها الكاتب في قصته. الالتباس في القضية واضح جدّاً، وهو التباس يستدعي التوعية، ناهيك عن أن قانون الأحوال الشخصية -نذكر مرة أخرى- لا يعتد إلا بالاسم الثلاثي والقبيلة!
    كان على الادِّعاء العام أن يحفظ القضية في عقر داره ولا يخرج بها إلى المحكمة. من حق أي مواطن أن يرفع دعوى ضد من أهان كرامته، لكن أين إهانة الكرامة هنا؟ لماذا تحال قضية إلى المحكمة ولا أساس قانونيّا لها ولا أدلة ولا براهين؟ الكاتب لا يعرف المدعي أصلًا فكيف يهين كرامة شخص لا يعرفه وليست بينهما أي علاقة من قريب ولا من بعيد؟
    أمَا كان الأجدى لو قام الادِّعاء العام بتوعية أصحاب الدعوى بأن قصة حمود الشكيلي تستند إلى الخيال ولا تتضمن أي إساءة إليهم؟ وأن ورود الاسم مصادفة محض؟ وأن الدعوى لا تستقيم إلا بالاسم الثلاثي والقبيلة؟ وأن ورود اسم ثنائي في القصة لا يمكن الاعتداد به نهائيًّا في هذه الحالة؟! لماذا افتعال قضية من لا شيء وبلا دليل؟! لماذا إهدار الوقت وإطلاق عنان القلق والرواح والمجيء من أجل تهمة لا وجود لها؟!
المسألة معكوسة، فالكاتب هو من أهينت كرامته، فإلى متى سيستمر هذا المسلسل السَّخيف الركيك؟ وهل سيطال قائمة لا تنتهي من الكتاب؟
    على الادِّعاء العام الاعتذار للمدَّعين والمُدَّعى عليه وتعويضهم عن الضررين المعنوي والمادي اللذين أديا بهم إلى إنفاق وقتهم طيلة أشهر فيما لا جدوى منه.

    إن مسار تحقيق الادِّعاء العام مع حمود الشكيلي يبعث على التعجب والاستغراب وعدم التصديق! هل صحيح أن الأحوال وصلت إلى هذا الحد الهازل الساخر من المواطن؟ إلى هذا المستوى من الخطورة المُهدِّدة للكاتب والمُشعِرة إيَّاه عَنْوَةً بعدم الأمان في وطنه وعدم احترام كتابته وعدم التعامل مع نِتاجه بما يستوجبه الإبداع نفسُه والمنطق والقوانين والتشريعات -وأولها ما يُسمَّى في عُمان "النظام الأساسي للدولة"- وعهود ومواثيق حقوق الإنسان وحرية التعبير والإبداع؟
    في تحقيق صحفي عن القضية نشرته جريدة الزمن يومي 1 و2 من شهر نوفمبر الماضي قال القاص حمود الشكيلي إنه كان عائدًاً من الهند عندما فوجئ باتصال هاتفي: "عند الحادية عشرة صباحًا أتاني رقم غريب، وسألني المتصل مباشرة: "وين حمود أنت الآن، اتصل بي أحد يقول إن "الأمن" يسأل عنك في البلد؟... سيارة غريبة تسأل عنك في البلد فيها رقم "9" وهم تو أمام بيتكم... بعد أقل من نصف ساعة هاتفني أخي مبينًا لي أن الادعاء العام جاء إلى بيته وبيت الوالدة سائلاً عني".
    أمَا كان يكفي الادعاء العام الاتصال هاتفيّاً بحمود الشكيلي- أو بأحد أهله إذا تعذَّر هاتفه- لإبلاغه بالحضور إلى معقله الميمون وتسليمه في يده بلاغًا رسميًّا مكتوبًا بذلك بدلًا من إخافته وإخافة أهله بسيارة "الأمن" في بلدته وعند بيت والدته بتلك الطريقة النَّكراء؟ إن سلوكًا كهذا يتم التعامل به مع رؤساء عصابات مافيا وإرهابيين لا مع كتاب قصة. هذا السلوك في حد ذاته يعتبر إساءة استغلال للسلطة الممنوحة للادِّعاء العامِّ وتشهيرًا وإهانة كرامة للكاتب تعامله كما يُعامَل المجرمون الإرهابيّون.

    فلنلق نظرة على الأوراق الرسمية لتحقيق الادعاء العام والمذكرة التي قدمها إلى "عدالة" المحكمة.
    حمود الشكيلي أنكر التهمة الموجهة إليه في أثناء استجواب الادعاء العام له وذكر المفارقة المذكورة أعلاه المتعلقة بالاسم سبب الدعوى: "هذا الكلام غير صحيح وأنا لم أتناول في كتابي أسماء هؤلاء الأشخاص وذكرت عابرًا في نهاية القصة (اسم خيالي) وهو محمد عبيد ولا أعرفه شخصيًّاً وإذا كان محمد عبيد اسم حقيقي فأنا جدِّي محمد عبيد ولا يقطنون في المنطقة (التي تدور) حولها أحداث هذه القصة.
    س- من كنت تقصد بعبارتك في القصة؟
         ج- لم أقصد توجيه هذه العبارات لهؤلاء الناس ولا أقصد شخص معيَّن بل هي من نسج الخيال.
         س- هل لديك أدنى معرفة بالمدعين بالحق المدني؟
         ج- نعم لديّ معرفة شكلية بـ... أما بقية الإخوان فلا أعرفهم.
         س- من أين استوحيت أسماء هذه القصة؟
         ج- من خلال قراءاتي لكتب سابقة.
         س- هل كنت أثناء كتاباتك تذكرت وجود أشخاص حقيقيين بهذه الأسماء واستكملت كتاباتك بعدها؟
         ج- لا أذكر أن هذه الأسماء حقيقية أصلاً".

    "مذكرة مقدمة إلى عدالة المحكمة ببهلاء في القضية رقم 229 ق/2009م مركز بهلاء"
    "مقدم المذكرة: الادعاء العام/ ممثلاً عن الحق العام ضد
          المتهم: حمود بن حمد بن صالح الشكيلي.

    يتشرف الادعاء العام بتقديم مذكرة إلى عدالة المحكمة الموقرة بعد أن تبصَّر لجزئية مهمة تمخضت منها الإجراءات التحقيقية وغفل عن وجودها في نصوص مواد قانون المطبوعات والنشر الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (49/84)، وتحديدًاً بالمادة (28) من القانون (لا يجوز نشر كل ما من شأنه المساس بالأخلاق والآداب العامة والديانات السماوية). ويتبين من ذلك أن المتهم تناول في كتابه (شمس النهار) في إحدى رواياته قيامه بنعت المجني عليهم ذاكرًا اسم محمد عبيد بأنه (يدخن المدوخ ويشرب الكولونيا)، وختم في نهاية الرواية أنه ركض خلفه وعند اقتناعه بأنه حمار توقف.
    وعلى ضوء ما تقدم فإن الادعاء العام قد تبين له وقوع جنحة أخرى مرتبطة بالتهمة المعروضة بقرار الإحالة ونطلب من عدالة المحكمة الموقرة إضافة وصف التهمة (قيامه بنشر ألفاظ وعبارات تمس المجني عليهم مخالفة للأخلاق والآداب العامة) وتوجيهها للمتهم وفق المقتضى القانوني، والمعاقب عليها بنص المادة (36) بدلالة المادة (28) من قانون المطبوعات والنشر.
    وبالرغم مـما ذكرناه فإنه لا ننسى أن المحكمة الموقرة كان لها الفضل الأعم في إيجاد البصيرة لدى الادعاء العام والالتفات لما هو موجب عليه في أثناء تحقيق الدعوى والتي لا بد من التثبت سلفًا من قبل جهة الاختصاص بالرقابة الإعلامية على هذا المجلد ونناشدها أن تغفر لنا وقوعنا في هذا السهو الذي نرى تعديله.
    هذا ما لزم إيضاحه والموضوع متروك لمرئيات المحكمة الموقرة.
    ...".

    ما ذكرته مذكرة الادعاء العام يخالف ما جاء في قصة حمود الشكيلي، وللقارئ أن يعيد قراءة هذا: "ويتبين من ذلك أن المتهم تناول في كتابه (شمس النهار) في إحدى رواياته قيامه بنعت المجني عليهم ذاكرًا اسم محمد عبيد بأنه (يدخن المدوخ ويشرب الكولونيا)، وختم في نهاية الرواية أنه ركض خلفه وعند اقتناعه بأنه حمار توقف".

قصة "رحلة الحمار" المنشورة في كتاب حمود الشكيلي "شمس النهار من الماء" ليست رواية. هذا يوحي بأن الادعاء العام لم يطلع مجرَّد اطِّلاعٍ على الكتاب، ولو اطلع لما صنَّف "الكتاب" بأنه رواية وسيجد مكتوبًا في أعلى غلافه الأول بأنه "قصص"! وإن هذا أمر غريب فكيف لا يُطَّلع على مستند يعتبر حجة الطرفين: المدَّعي والمدَّعى عليه؟
    مذكرة الادعاء تشوه تمامًا ما جاء في القصة وتُحرِّفه، ولنُدقِّق هنا ونقرأ بوعي ورَوِيَّة –لا بعنجهية وغباء وتسلط واستكبار فارغ- ما كتبه حمود الشكيلي في قصته: "عند العاشرة صباحًا وصلنا إلى مزرعة أبناء عبيد، قدم لنا محمد قهوة وتمر فرض، مررنا على أخيه "يدخن المدوخ ويشرب الكولونيا" هكذا قال محمد عبيد عن أخيه، سلمنا عليه، ثم قلت له: "حمار" تبعني، أراد أن يضربني، ركضت، وركض خلفي، توقف بعد أن اقتنع أنه حمار". (ص 96، شمس النهار من الماء، قصص، حمود حمد الشكيلي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009م).    
   
    هل هناك فانتازيا بعد هذه الفانتازيا العولمية العُمانية الواحد وعشرينية بلا مراء؟
    "الأخلاق والآداب العامة"! وكأن كاتب القصة بلا أخلاق ينتظر تبرُّع الادعاء العام ليعلمه إيَّاها ويتَّهمه بمخالفتها خوفًا على المجتمع!
    يجب أن تكون مؤسسات الدولة في أيد أمينة، فما قرأناه أعلاه يوضح بما لا يقبل اللبس أنها ليست كذلك، وأن الخطر يحدق بجميع الكتاب جراء عدم أهلية الادعاء ومحققيه للنظر في قضايا من هذا القبيل (ولا في أيِّ قضية أخرى إذا شئنا الدقة؛ لأن الأخطاء القاتلة والتغطرس ديدن هذا الادعاء العام غير المستقل).
 يجب أن يكون الادعاء العام مؤهَّلاً للقيام بدوره على نحوٍ يكفل حقوق الإنسان ويحمي الإبداع وحرية التعبير ولا يبتزهما ويستغل عدم تبصُّر المجتمع والكاتب معاً ويُقوِّل الكتب ما لم تقله ويعرض أصحابها للضرر والظلم ويتغطرس عليهم ويقمعهم باسم الأخلاق البريئة من ممارساته -أي الدعاء العام سيِّئ الذكر- غير الأخلاقية!

    في هذا السياق الغريب، ومن أجل الغرابة والفانتازيا وحدهما- نتساءل عمَّا كان سيؤول إليه حال غابرييل غارسيا ماركيز لو وقع تحت سطوة الادعاء العام العُماني وهو مصر على تسمية أولى رواياته باسم "قرية البراز"!
    بشكل أو بآخر ربما كان الادعاء العام العُماني حاضرًا هناك، في إسپانيا، في منتصف ستينيات القرن الماضي، لأن ماركيز- تحت ضغط اللجنة التي فوَّزت أوَّل رواية كتبها- غيَّر عنوان الرواية ليصبح "ساعة نحس"!
    لو كان الادِّعاء العام العُماني في إيرلندا ربما طالب بإعدام جيمس جويس باسم الحق العام لسكان مدينة دِبْلِنْ، وذلك فور نشره قصصه المعنونة بـ"أهالي دِبْلِنْ"!
    وماذا كان الادِّعاء العامّ المحنَّك هذا سيفعل في فارغياس يوسا الذي أراد أن ينشر إحدى رواياته باسم العضو التناسلي الذكري قبل أن يحولها إلى اسم "الجراء"! أيَّ عقوبة سيطالب الادعاء العام هذا بإنزالها عليه بسبب رواياته الأخرى أيضًا مثل "مديح زوجة الأب" و"دفاتر دون ريغوبيرتو"؟
    أمَّا جان جينيه منتهك "الأخلاق والآداب العامة" بامتياز يطيح بصواب الادِّعاء العامّ ويُخرجُه عن طوره، أمَّا جان جينيه الذي لا يُبقِي ولا يذر، فلعلَّه يستحق مطالبة الادعاء العام العُماني بعقوبة أشد من الإعدام (طبعًا –والكلمة الفصل ما زالت للغرابة والفانتازيا- يمكن تأليف قوانين مناسبة لهذا الغرض كما هي قوانين بلادنا العجيبة الغريبة)، فهل هناك في هذا العالم من يُسمِّي كتابه "يوميات لصّ" ويكتب كل ذلك "الكلام الفاحش"؟!
الغرابة والفانتازيا تقتضيان كل هذا ما دام "المدوَخ" و"الكولونيا" و"الحمار" "خرقوا" الأخلاق العامة إلى هذا الحد المرعب الفتَّاك!

    كان على الادِّعاء العام أن يقوم بكل ما من شأنه الإحاطة بتفاصيل هذه القضية، ولو فعل ذلك لحفظها، ولأنه لم يفعل، وباعتباره جهة تنفيذية فقد أساء استخدام السلطات والصلاحيات الممنوحة له، وانتهك المادة 13 من "النظام الأساسي للدولة": "ترعى الدولة التراث الوطني وتحافظ عليه، وتشجع العلوم والفنون والآداب والبحوث العلمية وتساعد على نشرها". هل يعني تشجيع "الآداب"- ومنها القصة القصيرة- اتِّهام من يكتبها -وهو القاص حمود حمد الشكيلي هنا- والتشكيك حتى في شرعية مجموعته القصصية؟ أليس هذا ما يقوله الادِّعاء العام وما نبهت إليه ("عدالة المحكمة")- حسب استدراك الادعاء العام في مذكرته؟!
فلنعد القراءة ونتبصر مرارًا وتكرارًا قبل خلق الأذى للآخرين. يقول الادِّعاء العام لـ"عدالة المحكمة": "لا بد من التَّثبُّت سلفًا من قبل جهة الاختصاص بالرقابة الإعلامية على هذا المجلد". كلمة "المجلد" هذه تُحدِث انطباعًا غير مفهوم في سياق المذكرة، وتعيد ثانية إمكان أن تكون بحوزة الادعاء العام نسخة من قصص "شمس النهار من الماء"، ولهذا يجبرنا السياق على فهم أن المقصود بـ"المجلد" هنا هو "الكتاب" أو "المجموعة القصصية" أو "القصص" فقد قرر الادعاء العام أمام "عدالة المحكمة الموقرة" أن لا يكتفي بتقديم دعوى المدَّعي تلك المتعلقة بقصة واحدة فقط، بل يُجرِّم الكاتب وكتابه كاملًا، ويفتش في قانون غريب فصلته السلطة على مقاسها بالضبط، كل ما فيه يحميها ويحمي لصوصها وجبَّاريها ويمط المصطلحات ويعجن ويلوك ومن شدة عدم صلاحيته يحترق وتنبعث منه رائحة دخان عطنة عفنة خانقة جدًّا، وفجأة يُقال لنا: شموا الهواء النقي، هواء الحرية! قانون المطبوعات والنشر! هذا ما يريده الادِّعاء العامّ، أن يطبق تفسيره غير الواضح أبداً لـ"الأخلاق والآداب العامة" ويستجير بذلك القانون السلطوي البليد الهازئ بالقانون أصلًا ويُجيِّره لقمع القصص القصيرة وكاتبها؟
كل كاتب عُماني حر مستقل يهزأ من "قانون المطبوعات والنشر" هذا ويرمي به في سلة المهملات. يجب إلغاء هذا المسخرة واستبداله بقانون مؤهل لحمل صفة "القانون" لا يتسلَّط ويهدد الكُتَّاب بالسجن والغرامة.
    الادِّعاء العام انتهك حق القاص في كتابة قصصه وحظر عليه تسمية شخصياته بالأسماء التي يشاء وألغى الهدف الأسمى الذي ينطلق منه الأدب أساسًا، وهو دور رفيع غايته الارتقاء بوعي الإنسان لا إهانته بكل تأكيد. وإذا كانت القصة من الأدب فالواجب تقدير كاتبها واحترامه لا تجريمه والتشكيك فيه وفي أخلاقه وإهانة كرامته على هذا النحو المشين الذي يقرع نواقيس الخطر ويريد توجيه الأدب ويهدد جميع الكتاب العُمانيين ويجعل الادعاء العام أُلهية بأيدٍ بوليسية لا تتمرَّس وتتحنَّك إلا في الطغيان والغباء وبهما وحدهما فقط.
المدَّعين ضحية أخرى للادِّعاء، فالقاعدة تقول إن ما قام على باطل فهو باطل، وكان على الادِّعاء إبلاغ هذا للمدَّعين وتوعيتهم بما ينبغي إيضاحه لهم بشكل عاجل وضروري لا يجعل الكاتب عدوًّا ومهين كرامة بل عضوًا فاعلًا لا غنى عنه.
وجود مدَّعٍ لا يُحتِّم وجود تهمة. وعندما ترفع الدعاوى إلى المحاكم يجب أن تكون مدروسة من جميع النواحي الضرورية، ولا يجب افتعال تهم ليست تهمًا وإثارة قضايا ليست قضايا وتعطيل "عدالة المحكمة"! ويالها من "عدالة" لديها من الوقت ما يكفي للتداول في قضايا فريدة من نوعها لا توجد إلا في بلادنا الغراء! يالها من محاكم "لا تختص" بإنصاف قضايا مئات المواطنين ولا تستنكف ظلمهم و"تختص" بالتُّرَّهات والأحكام العنصرية وتشويه وعي المواطنين وتحارب الإبداع والمبدعين! يالها من محاكم يتلقى قضاتها هباتٍ وعطايا ورشًى من الدولة! يالها من محاكم يُساق قُضاتها إلى مكاتب المسؤولين المتنفذين لصياغة أحكام بعينها وبالذات وفي ظروف وسياقات مريبة! ويالها من تمثيلية محبوكة يحكم القضاء في نهايتها ببراءة الكاتب، كي يقول الجميع إن القضاء في بلادنا عادل مستقل!

    تقول الفقرة (2) في المادة (27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه".    وتقول الفقرة (2) في المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: " لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".    
    وتقول الفقرة (ج) من البند الأول في المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: "1. تقر الدول الأطراف في هذا العهد بأن من حق كل فرد:... (ج) أن يفيد من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي أثر علمي أو فني أو أدبي من صنعه.
           3. تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام الحرية التي لا غنى عنها للبحث العلمي والنشاط الإبداعي".

ولأن انضمام سلطنة عُمان إلى "اتفاقية حقوق الطفل" (1996م)، و"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" (2003م)، و"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة" (2006م) لا يعدو كونه حبرًا على ورق، ويعود الفضل العظيم في هذا إلى الخرق المنظَّم لجميع هذه الاتفاقيات، وفي المحاكم العُمانية ما فيها من ممارسات يشيب لها شعر التحضر والقرن المنكوب، ولأن سلطنة عُمان ليست من "الدول الأطراف في هذا العهد" ولا في ذلك العهد سيبقى ادعاؤنا العام "الخاصّ" وقضاؤنا التابع بلا عهد ولا ذمَّة ولا ضمير.
 

 

|

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.

Tags for حمود الشّكيلي ومهازل الادِّعاء العامّ والقضاء عدوُّ الإبداع

صورة عشوائية

حكم اسئناف قضية المضمدين- ص 4

العمل في مجال حقوق الإنسان ليس حكرًا على أحد

افضح انتهاكات حقوق الإنسان وحرية التعبير في عُمان كي يعرف العالم بحقيقة الأوضاع المُتَسَتَّرِ عليها في بلادنا

للمراسلة:

salemalt@hotmail.com

سالم آل تويه

مرصد المدونين

الفعاليات

« July 2010
اثنثلثأربخميجمعSatأحد
1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031

Tags in معارض الصور