تظاهرة عالمية لدعم حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية

اسم المستخدم

استطلاع رأي

هل القضاء العُماني قضاء مستقل؟:

CMS Drupal Showcase CMS Drupal

تلقيم

لَقِّم المحتوى

مراحين: مدونة عُمانية حُرَّة

ابق على علم بآخر أخبارنا!

لَقِّم المحتوى

الموجودون عالخط

يوجد حاليا 0 users و 17 guests عالخط.

"أهلاً وسهلاً في مقهى زيزينيا"

مقهى زيزينيا- النادي السّياحي- أبوظبي
مقهى زيزينيا- النادي السّياحي- أبوظبي
 
 

 

 

نصّ:  سالم آل تويه

تصوير:  محمد المزروعي

     من مكانٍ ما- لعله سيَّارة أو شَقَّّة أو دكَّان- تصل أغنيةُ "أبوبكر سالم" بأقدامِ مصادفةٍ متمهِّلةٍ تُضفي ألقًا محايدًا- لا يبدو ذلك أبدًا!- على وجوه الغرباء، تجلس مثلهم على كرسيٍّ بلا طاولة:
"والزّمن ما تغيّر بسّ
أهل الزّمنْ ويلاه
متغيّرين...
رحمتك رحمتك
يا رحمتك يا رحيم
ويلاه متغيّرين".. وتستمرُّ على نحو يتمرأى في كثافة الدُّخان وقرقرة الأراكيل، تُحوِّل ضيق هذه الفسحة عالمًا موحشًا يفتعل الهدوء افتعالاً.
     ولأنَّ ما نُحبُّه كثيرًا ما يؤلم، كثيرًا ما ينأى، قليلاً ما يكترث بالغموض وآلات القتل، لهذا ربَّما توقَّفتِ الأغنية قبل تمامها؛ أصبح كرسيُّها فارغًا- ربَّما تحرَّكتِ السَّيَّارة أو تعكَّر مزاج من في الشَّقَّة، أو انشغل الدُّكان بالزَّبائن.
لن تعرف قطُّ من أين انبعث الصَّوت وفي أيِّ ناحية اختفى سوى أنَّك تلهو في معتركِ ما لا طائل منه.
     "الزَّمن طفلٌ يلهو بالنَّرد"، وفي أيِّ لحظة قد يفعل ما لا يعيه؛ هذه الرَّميةُ صائبةٌ، تلك خائبة، ولن يشفع اللَّهو للبراءة ولا المجهول للخطر.
      قبل ثلاثين عامًا- إن شئنا مطَّ الزَّمن (يُمكننا بعجه وتقبيحه وتزيينه وفقدانه)- ذرَّتِ الرِّيحُ الرِّمالَ في عيون المستقبل فعرك عينيه، ولا يزال، وسيتخصَّل بهذه الخصلة- لأنَّ اللَّهو عواقبه ليست مأمونة- ونظر بعيون مخضلَّة بالأسى والدَّمع وانعدام الأفق، إذ ما من زمن أبعد منه:  تعالى البنيان وتعلَّب النَّاس في علب لا تُشبه أقفاص الحمام التي كلَّما لها الزَّمن اندثرت من بيوتنا.
      "مازال بطن الأرض ممتلئاً بالبيض":  من متن سفينة تمخر عُباب المعرفة وعُباب بحر إيجه كتب نيكوس كازنتزاكيس ذات يوم في رسالة إلى حبيبته، لكنَّ البيض فقس سُمًّا وانفجر بطن الأرض بقيءٍ أسود.
      والآن:  هنا مقاعد وطاولات وجمر وعُنَّاب وغرباء وأصدقاء ونبتات في أُصص وباب على مصراعيه تنفرج ستارة بلاستيكيَّة متَّسخة تحجب نصف وجه الممثِّل محمود عبد العزيز؛ "أهلاً وسهلاً في مقهى زيزينيا".
***
 
      كيف حالكم؟.  نفتح حتَّى منتصف اللَّيل، في الرَّمضانات نفتح بعد الإفطار ونغلق ونختفي في ضباب الفجر.  إنْ كنتم مهمومين فالـ"كركديه" تُهدِّئ التَّشنُّج، تُخفِّف ضغط الدَّمّ.  إذا كنتم ستذهبون مباشرةً إلى الأسرَّة فلا أحلى من كأس عُنَّاب باردة (إذا قُدِّمتْ ساخنةً تُسمَّى كركديه وإذا قُدِّمتْ باردةً تُدعى "عُنَّاب") .  تعالوا والعبوا "الورق".  لدينا جمر يُدفِّئكم في أوقات الحرِّ- أو حين يهبُّ هواءٌ بشدَّة- نُغطِّيه بطربوش من حديد كي لا نزعجكم.  كلَّما أتيتم على الرَّحب والسِّعة، تعالوا مرَّتين، ثلاثًا، وبعدها اجلسوا على مقاعدكم وسيصلكم التُّفَّاح، الزَّغلول، القرفة، الحلبة، وكلُّ ما تشتهون بمجرَّد جلوسكم فلن تكونوا بحاجة إلى نداء في المرَّة الرَّابعة.
 
 المعلّم شوقي
المعلّم شوقي مدير المقهى
 

      النَّاسُ غادينَ جائينَ بين طاولتين يشقُّون طريقهم السَّهل.  ستعتادون هذه الإلفة كلَّما سحبتْ رئاتكم دخانًا أكثف.
أمهلونا دقيقة فهذا زبون جديد نأمل أن يُصادقنا مثلما يُصادق الكاتب القلم، مثلما يعشق القارئُ الكتب، مثلكم، مثلما تتفشَّى الأغاني كالأكاذيب، ونعرف- حتمًا- أنَّ الحياةَ طائرٌ:  انظروا إنَّه هناك يُزقزق على ركن الشَّجرة.  "يا أحمد كمان واحد قهوة سادة للباشا".
       حين يصل بسيَّارته من الخالديَّة- في اللَّيل فقط يدخل ويخرج منسلاً من العين پالاس- حين يصل، وقبل أنْ يستقرَّ على مقعده، يكون أحمد قد فحص خرطوم أركيلته فيُقدِّمها له مع فنجان القهوة الأوَّل ودفتر الحسابات.  أمَّا البُكْم الأربعة فقد تعلَّمنا منهم لغةً أخرى أصبحت حاجتنا ماسَّة إليها، وهكذا- كلَّ يوم- يأتون ويذهبون ونحن هذا عالمنا، لا نعمل في الحكومة كي نستريح يومين كلَّ أسبوع.  ثيابنا، جلودنا، ممتقعة بالدُّخان، لذلك لا نرى الحياة مغبرَّة، وكأنَّ الطَّريق يَشُقُّ نَفْسَه لنا عبر أنفاقٍ تتوالد، ونصعد بعيوننا إلى شرفات المباني ونشكر الحياة.

 النادل أحمد
النادل أحمد والأراكيل
 
       الزَّمن احترق بأوَّل جمرة لكنَّه دائمًا هكذا؛ لا يخمد ويزداد احمرارًا.  أهلنا هناك، على مبعدة آلاف الأميال فقط، نتذكَّرهم ونبعث لهم القبل من هنا، عند نهايات الأشهر أو مطالعها- أو منتصفها، حسب التَّساهيل-؛ أنتم أيضًا أهلنا.  "لحظة.  سأغيِّر لك "الرّاس"، دخانك أكثف كلَّ مرَّة، وقرقرة أركيلتك تُذكِّرني بخرير الماء في غيط البلد".
***
 
        في أعلى الباب كتب بخطِّ رقعةٍ أنيقٍ باللَّون الأحمر:  "بسم الله الرحمن الرحيم"، وبجوارها، على جدار صُبِغَ بثلاثة ألوانٍ من أعلاه إلى أسفله، وداخل مربَّعين منفصلين كُتِبَ بلون أحمر أيضًا:  "مع تحيَّات أبو عبدالله".  على أحد مصراعيِ الباب أُلصق إعلانٌ فريد من نوعه:  "اكتشف المفهوم الجديد في الكوكا كولا".  وانحرفْ قليلاً لترى مرَّةً أخرى البكم الأربعة متحلِّقين حول الطَّاولة نفسِها (يشربون) التُّفاح والپيپسي وشايَ النَّعْنَاع، في حديث باسم يترك الوقت يمرُّ والدُّخان يتصاعد والحنين يغفو على ركبة الفراغ، بتلك اللُّغة الإشاريَّة التي تجعلك متوجِّسًا من لسانك ومجاري الأحاديث، مسكونًا بعبارة جلال الدّين الرُّومي:  "أيُّها الفَمُ:  إنَّك فوَّهة الجحيم".  وتعلم علم اليقين أنَّ ما مضى لن تستعيده قطُّ، أنَّ الخسارةَ أفدحُ هذه المرَّة، أثَرُها رَجْعِيٌّ ويتسرطن في ما سيأتي؛ إنَّك في أعماق الجحيم، انقفلتْ أبوابُه خلفك.
 النادل أحمد ملبِّي الطلبات الذي لا يتأخَّر
النادل أحمد ملبِّي الطلبات الذي لا يتأخَّر
 
        لا تنبس ببنت شفة، وبينما يُحضِّر شوقي كوب القرفة حاول تعلُّم تلك اللُّغة؛ منجاةٌ في الصَّمت، فِخَاخٌ أكثرُ ممَّا ينبغي في الطَّريق المحفوف بالحياة.  ريبة عند اليقظة، في آخر اللَّيل، ممَّا سيحدث لاحقًا.  إسمع:  كلُّ هذا لأنَّك على قيد الحياة لاتزال، وعندما تلتقط أنفاسَك سترى الكارثة على نحوٍ أوضح.  أمَّا الآنَ فانظرْ ماذا ترى:
         كيف تسنَّى لهم أنْ يطلبوا التُّفَّاح وشرابَهم المفضل؟.. متى كانتِ المرَّة الأولى؟.. بأيِّ لغة؟.
        ها قد أُعدَّتْ قهوتُك وشيشتك "يا باشا".  عندما تُطِلُّ على الدَّاخل تكتشف أنَّ ظِلَّ محمود عبدالعزيز كان ينعكس عبر مرآةٍ كبيرة، والتّلفزيون في أقصى الزَّاوية التي لا تُرى من الخارج مُعلَّق فوق أرفف الأراكيل حيث ستتذكَّر- بوضوح يشوبه النِّسيان- قصَّتي وليد معماري:  "الأركيلة1"، "الأركيلة 2"، وكما في القصَّتين ستظن أن إحدى هذه الأراكيل، على الأقل، كانت حقًّا لشخص ميت قضى دهرًا في المقهى!.  تلجم لسانك عن طرح سؤال، كهذا، لا ينتمي إلى سياق سويٍّ.  تغافلك عيناك بامتلائهما باللَّوحة السَّوداء المكتوبة بحروف مذهَّبة:  "قلْ أعوذ بربِّ النَّاس..."، والمروحة المغروزة في الجدار، ومصيدة الذُّباب المتدلِّية بلا ضحايا.  وتقرأ الورقة الزَّرقاء بجوار المدخل:  "المشروبات السَّاخنة والباردة والشِّيشة بسعر 3 دراهم أثناء المباراة- مع تحيَّات أبو عبدالله".

        قبل سنتين زرتُ أبو ظبي، ذهبتُ إلى النَّادي السِّياحي لزيارة مقهى زيزينيا، وكانتِ الصَّدمة أنَّه أصبح أثرًا بعد عين.  في مكان مثل أبو ظبي تتَّسع المساحة للمقاهي الفارهة باهضة الثَّمن وتضيق على مثل مقهى زيزينيا الذي كان يندسُّ بين بنايتين يقتطع من ممرِّهما الواسع مساحة يُحيطها ببعض الأصائص المزروعة بشُجيراتٍ ونبتاتٍ تُمتصُّ قليلاً مشهد الإسمنت ذا السَّطوة المؤذية، ويترك حدودًا معقولة لعبور المشاة دون مضايقات. 
       "ستوديو سلوى" في البناية المقابلة للمقهى- وليس في البناية المقابلة للبناية التي فيها المقهى، الأرْزَة، ثلاجة "المازا"، الطَّابق الثَّاني المنخفض جدًّا بسلالمه الخشبيَّة المؤدِّية إلى دورة المياه... ماذا ستتذكَّر من "زيزينيا"؟!

 
"زيزينيا" في بيت الذِّكرى المهدَّم
"زيزينيا" في بيت الذِّكرى المهدَّم
 
       هل كان المقهى الإثيوبي في مكانه؟
       لا أتذكَّر.  كنتُ في زمنٍ آخر، وكنتُ أمشي الهوينا في ذلك الزَّمن، وفيه كان المقهى موجودًا بطاولاته السِّتِّ والأشخاص القليلين، اثنين أو ثلاثة، وعاملة المقهى الإثيوبية التي تقتل الضَّجر بالرِّيموت كونترول؛ كثيرًا مررتُ أمام المقهى الإثيوبي في طريقي إلى مقهى زيزينيا لكنْ قلَّما جلستُ فيه، لأنَّ أركيلته في الدَّاخل فقط، في مساحة ضيِّقة جدًّا تبعث على الكآبة والاختناق أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، إلى درجة أنَّ الاستمتاع بالقهوة الإثيوبيَّة المُعَدَّة بتلك الطَّريقة الخاصَّة، والمقدَّمة بشكل يُكمل طقوس إعدادها، يغيب تقريبًا.  السُّودانيّون هم أكثرُ روَّاد المقاهي الإثيوبيّة في أبوظبي.  مرَّةً سألتُ الصَّديق السّوداني القاصّ عثمان حامد عن سرِّ تولُّه الإثيوبيَّات بالسّودانيِّين وتعلُّقهنَّ بهم- بعدما استرعى انتباهي تكرار ذلك- فأجاب:  كان إله الإثيوبيِّين سودانيّا!
       ممدوح ومحمود كان مقهاهما قريبًا من مقهى "زيزينيا".. كانا يشتكيان من كثرة ديون الزَّبائن، ومن قلَّة الفائدة، ثم من الخسارة، ثم انتقلا إلى شارع حمدان.  بقي "زيزينيا" الأقرب والأفضل؛ يمكنك أن تلتفت إلى الخلف فترى بين بنايتين مقطعًا من البناية التي تسكن في إحدى شققها.
     
       ذهبتْ تلك الأيام وسكنتْ بيت الذِّكرى.  تهدَّم البيتُ، بيتُ الذِّكرى، والأيامُ سقطتْ من التَّقويم، وحلَّ مستقبلٌ لم يكن متوقَّعًا أبدًا.                                                                                                                                                                                                                                                                      
 
|

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.

صورة عشوائية

لوكليزيو

أحدث التعليقات

مرصد المدونين

مرصد المدونين

الفعاليات

« January 2009
اثنثلثأربخميجمعسبتأحد
1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031

Tags in معارض الصور