تظاهرة عالمية لدعم حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية

اسم المستخدم

استطلاع رأي

هل القضاء العُماني قضاء مستقل؟:

CMS Drupal Showcase CMS Drupal

تلقيم

لَقِّم المحتوى

مراحين: مدونة عُمانية حُرَّة

ابق على علم بآخر أخبارنا!

لَقِّم المحتوى

الموجودون عالخط

يوجد حاليا 0 users و 8 guests عالخط.

الكاتب أحمد الزّبيدي ينشر أوَّل أعماله الرِّوائيَّة

غلاف الرواية

 
      عن دار الفارابي في بيروت صدرت مؤخَّرًا رواية للكاتب العُماني أحمد الزبيدي حملت عنوان "أحوال القبائل عشيَّة الانقلاب الإنكليزي في صلالة".

      تُعَدُّ الرواية العمل الإبداعيَّ الثاني المنشور للكاتب، بعد صدور عمل واحد له فقط في منتصف ثمانينيات القرن الماضي تمثل في مجموعة قصصية عنوانها "انتحار عُبيد العُماني".

      "أحوال القبائل عشيَّة الانقلاب الإنكليزي في صلالة" تُعالج انقلاب سنة 1970م، وتداعياته، ومواقف الحركة الوطنية، ودور بريطانيا، ودسائس القوى الاستعمارية ومؤامراتها لتدمير القوى الوطنية وعلى رأسها ثورة ظفار، وتعاطي القوى الاجتماعية المختلفة مع الانقلاب.

      كُتبت الرواية في غضون خمس سنوات، حيث بدأ الزبيدي كتابتها في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وانتهى منها قبل عدة سنوات، إلا أن نشرها تأخر، كما هو الحال بالنسبة إلى أغلب أعمال الكاتب ومنها روايته "ليلة مقتل الكلب" التي انتهى من كتابتها قبل ما يزيد على خمس عشرة سنة ولم ينشرها حتَّى الآن.

     تتميَّز كتابة الزبيدي بتسليط الضوء على مرحلة غائبة من التاريخ العُماني ومُغيَّبة عنه، وهي الفترة التي سبقت عام 1970م، تاريخ قيام الدولة العُمانية الحديثة الآتية على أنقاض تاريخ حفل بأحداث جِسام عمَّت أنحاء البلاد وتركَّزت في الجزء الجنوبي منها:  ظفار. 

     ويبدو أن "المرحلة" و"الموضوع" ثيمتان مركزيَّتان في أعمال الزبيدي نتج عنهما تأخره في النشر، فمجموعته القصصية "انتحار عُبيد العُماني" المنشورة طبعتها الأولى عام 1985م في بيروت (دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع) مُنعت من دخول البلاد فور نشرها، وما زالت ممنوعة إلى الآن رغم صدور طبعة ثانية لها هذا العام عن دار كنعان في دمشق، إلا أن الصحافة الثقافية المحليَّة تكتفي بإيراد اسم الزبيدي على صفحاتها وتذكر عنوان المجموعة لغرض الإيهام بأنَّ "المنع" فكرة ليست موجودة أصلاً!

    وقبل فترة نشرت جريدة "عُمان" حوارًا مع أحمد الزبيدي أجراه القاص حمود الراشدي، وقد تعرض الحوار للتشويه والحذف، رغم أنه الحوار الوحيد المنشور مع الكاتب في الصحافة المحلية التي همَّشته منذ فترة مبكرة واستمرت في تهميشه.

    وإلى جوار عبدالله الطائي يُعتبر الزبيدي رائدًا في كتابة القصة القصيرة في عُمان إذا ما وضعنا في الاعتبار المستوى الفني لكتابة القصة، حيث نشرت في فترات متقاربة مجموعات قصصية لكتَّاب عُمانيين آخرين غلب عليها النص المفتوح واختلاط الأجناس والنأي عن القصة، أو الطابع التقليدي المشوب بالمباشرة والتوثيق والتقليد والتسجيل والوعظ وخلو العمل من العمق الفني.  وإن كان الزبيدي نفسه لا يُولي أيَّ أهمية لمسألة "الريادة" لكن افتقاد الأدب في عُمان إلى تأريخ مكتوب يُلحُّ بطرح السؤال من الناحية الإبداعية البحتة إذا استثنينا الريادة الزمنية.

    ولد الزبيدي عام 1945م في صلالة، وفيها درس الابتدائية (المدرسة السَّعيديَّة)، وبسبب الظروف التي شهدتها البلاد في ذلك الوقت وتداعياتها تنقَّل بين أكثر من عاصمة عربية، فأكمل دراسته الإعدادية والثانوية في القاهرة، ثم درس الحقوق في دمشق، وعاش فترات في عدن وبغداد، منخرطًا في العمل السياسيّ الذي كان في أوجه على صعيد المنطقة والبلاد العربية، وعاد إلى عُمان في منتصف سبعينيَّات القرن الماضي.

الرِّوائي أحمد الزّبيدي

الرِّوائي أحمد الزّبيدي

    صمَّم غلاف رواية "أحوال القبائل عشيَّة الانقلاب الإنكليزيِّ في صلالة" فارس غصُّوب.

    جاءت الرواية في أربعة عشر فصلاً غير معنونة ولا مرقَّمة، وبلغ عدد صفحاتها 199 صفحة من القطْع المتوسط ذيَّلها الروائيّ بمقالتين أُولاهما بعنوان "رحيل العاشق الجميل" للكاتبة الإماراتية حصَّة عبدالله، والأخرى "وفاة مواطن" للكاتب الإماراتي  الدكتور عبدالله عمران.

    تصدَّرت الرواية العبارة التالية:  "روى لي صاحبي عن ابن عربي أنه قال:  كلُّ مشروع لا تتقدَّمه مهارة الإيمان لا يصحّ".

    تُباع النسخة الإلكترونية للرواية على موقع:  www.arabicebook.com 

    يُشار أيضًا إلى أنَّ للزّبيديّ مجموعة قصصية قيد الطَّبع عنوانها "إعدام الفراشة" ستصدر في الأيام القريبة المقبلة عن دار الفرقد في دمشق.

الفصل السابع

    نشر عوض الريحة إليتيه للنسيم العليل الآتي من خلف الجبال التي طوقت المدينة عبر سهل أخضر جميل.  وظل يراقب السناجب والبواشق واللقالق وهي تحط وتروح على أفنان شجيرات مزرعته الخضراء، بينما رفع تابعه عقيرَتَه بغناء رتيب وهو يهزُّ سوطَه بين آونةٍ وأخرى للجمِال التي تقاطعت في تشكيل بديع وهي تنز الماء بالقِرَب العتيقة من البئر التي أتخمت ضروعَها بالماء المتسلل عبر عروق الأرض من أقاصي الجبال... إنه اليوم الأخير من عمر ناهز العقود.  وتتقاعد الجمال ويستريح التابع وينحر عوض الرِّيحة الأضاحي إيذانًا بتدشين مضخة الماء التي حلم بها.

   دهر يأفل، ودهر يتعثر في وجدان عوض الريحة كفرس جريح.  دهر أدمنه، ودهر جاء ينسف أشياء من صفحة وجهه الهادي الوقور.  والآن كم هو حزين وهو يُردِّد:  "هذه المضخة اقتضت ثورة داميةً كي يسمح لنا الحاكم باستعمالها.  وبالرغم من أن عوض الريحة قد محَّص، وفحص، وتعقَّب كافة الأقاويل والشائعات التي انطلقت في تلك الليلة الكبيرة في صلالة، فإنه وقد أصبح في صورة الأحداث أخذ كعادته يحاول أن يرسم حدود هذه الأحداث، وأن يقبض على مفاصلها كما كان يفعل في دغله في أيامه السالفات.  بيد أنه ما كان يقبض على مسألة حتى تلقيه على أخرى، فإذا هو كغريق تصفعه لجة وتلطمه أختُها، وتجرجره أخريات في ساحات السؤال الكبير".

   ودَّع عوض الريحة أشياءه القديمة بعينين مستسلمتين، وجرجر أذياله كالماشي على الماء صوب زُقاقٍ في دغل صلالة العجيب، تشده ذكريات، وتمرغه انفعالات، وتعصف به أسئلته التي لم يفصح عنها مرتابًا "أين الدليل من الدليل؟" هيهات ولكن:  "ما لَك يا عوض وكل هذا؟ صالح نفسك يا عوض.  أنت لم تخسر شيئًا.  أخذوا جِمالك وأعطوك مضخة ماء.  ذلك ما كنت تحلم به، فلم كل هذا الحزن؟ ولم كل هذا الغضب؟ أراك غاضبًا فلم أنت هكذا؟ أراك حزينًا فلم أنت هكذا؟ يقول الثُّوَّار إن تضحياتهم ودماءهم هي التي أرغمت الإنكليز على ذلك.  يقول الإنكليز إن حرب الثُّوَّار تدمر كل شيء وتعيق التنمية.  أنت ما تقول؟ لا يُعقل أن لا يقول عوض الريحة شيئًا.  كل صعاليك هذا الدغل قالوا شيئًا ما... أفصحوا عن انفعال ما... فلم أنت صامتٌ هكذا؟ بئر بلا قرار".

   لم تكن أحاديث عوض الريحة لعوض تفصح عن شيء ملموس.  كانت أشبه بمداخلاتٍ أو حلقات، كل واحدة تُطوِّق أخرى، ونسيجها خيوط عنكبوتية فلا يبقى أمام هذه المداخلات سوى أن تدفن نفسها في سويداء النفس كألم في القلب ينطبع... "آلام... آلامٌ... انقلابٌ وماذا في الأمر؟ هذه حكاية تتكرَّر كثيرًا وأنت تعرفها يا عوض... ثوَّار... وماذا في الأمر؟؟ هذه البلاد إن لم تثر فمن يثور؟".

    استراح عوض الريحة من بلباله هذا برهة حين صادف في ساحات صلالة مجموعة من فتيان وفتيات ذوي أصول سمراء يرقصون رقصة الشيطان.  آنَسَهُ عواء الطبل فتبشبش... شنَّف أذنه لِرَجْعِ الصخب فقدم رِجلاً وخفض أخرى.  والطبل يعوي... وعوض الريحة يدور... يدور... جاءته واحدة تدعوه، تُمايسه وتترنَّح بإغواء.  نشر أذنيه فصافحهما انفعال الطبل.  اهتزَّ جسدُه فباركته أهازيج النسوة اللاهيات.. حدّج في نهدي جارته فسال لُعابُه ودار... دار... دار وصاحبته كالمهووسة هي الأخرى تدور.  جرجرها متخابثًا حتَّى نهايات الحلبة...

    في جرنه وعلى أعواد الذرة حيث مدَّدها اختبرته:

-    النسوة يتلصَّصن.

-    أغلبهن كان هنا.

    تصالبا جسدًا واحدًا، وغطَّى على حوراهما صدى الطبل.  وفي الوقت الذي كان الشيطان يرحل من جسد الفتى الذي تقمَّصه كان صوت الطبل يهذي مهووسًا كما الجسدين المتصالبين.

-    ترى أين ذهب الشيطان؟ (داعبها مودِّعًا).

-    الشيطان يسكن فيك.

-    وكيف عرفت؟

-    يقولون...

-    وماذا يقولون؟

-    أوه.

     ناداه أصحاب الدغل من على المصطبة ضاحكين، فجاء وتربَّع على صولجانه الخشبيّ ناشرًا أليتيه.

-    ها.. ماذا لديكم؟

-    تقول السلطات الجديدة للانقلاب:  "كل شيء مباح"؟

-    كل شيء..!!

-    نعم السيارات... انتعال الأحذية... لبس النَّظَّارات... التَّدخين.

-    ها...

-    نصف أهل الدغل أضحوا سُكارى.

-    ها...

-    السلطات الجديدة قالت:  "لا فقر بعد اليوم".

-    ها...

-    المواطنون من فرط فرحتهم تخلّوا عن كل حذر وغنَّوا على مرأى المندوب البريطاني.

-    ها...

-    السلطات الجديدة تقول:  إن "كل نقود البترول ستُصبُّ هنا".

-    ها...

     أخيرًا انضم إلى أصحاب الدغل شابٌّ مجدور الوجه، عصبيُّ الحركات، غطى عينيه بنظَّارتين سوداوين وتأتأ ثملاً:

-    عاش التغيير، وعاشت السلطات الجديدة.

-    كيف؟

-    اسمع يا عوض الريحة... نحن نعرف مَنْ أنت، وأنت تعرف مَنْ نحن، وليس أمامك كبير خيار؛ إمَّا نحن وإمَّا "هم".

-    ومَنْ أنتم؟

-    أنت تعرف مَنْ نحن.

-    لا أعرف.  قل لي من أنتم؟

    حار جوابًا وارتبك فبصق وبال ومضى يُروِّج لأشيائه في أزقَّة منافقة.

-    هو مجنَّدٌ لدى الإنكليز.

-    ما كان يجب أن تُماحِكه.

-    ها...

-    هؤلاء رجال الانقلاب.

-    ها...

-    هم الآن يبحثون أمر تشكيل فرق قَبَلِيَّةٍ تُحارب الثُّوَّار.

-    ها...

-    الثُّوَّار يستسلمون بالعشرات.

-    الذَّهب يُغري.

-    الذَّهبُ سلطان.

-    وماذا يقول صوتُ الثُّوَّار؟

-    يصفهم بالمتساقطين.

-    وهؤلاء ماذا يقولون؟

-    حدِّثْ ولا حرج.

-    والقبائل ما موقفها...؟

-    أما تراها تتقاتل على قرص الحلوى اليتيم؟

    عاوده بلباله، وتسلَّق الحزن قلبَه كأسراب جرادِ الصَّحراء تنهش أحشاءه وتسدُّ منافذ الفرح عليه.  حملق في الدَّغل فعاودته ألف ذكرى وذكرى! ومائة ليلة وليلة قمرية لمَّا زالت حكايتها حاضرة وطرية في الذَّاكرة.  يسرح بصرُه صوب المزارع النَّاعسة.  وأصاخ لصأصأة الجنادب فأدرك للتوِّ عمق الكارثة التي تحيق بأشيائه، فارتعش مذعورًا وهمهم وجِلاً:  "ربَّاه... طَفْحُ الجدري ولا هذا.  من أين جاء كل هؤلاء؟ من أيِّ فِجٍّ عميق تدافعوا؟ لصوص، قتلة، سُوْقَةٌ، شُذَّاذ آفاق، محتالون، نصَّابون، كذَّابون، جواسيس... لا قَيْلَ فيهم ولا "تميمة" لا مجد بنوه، ولا بمجد يحلمون".

-    ترى من أين أتى كل هؤلاء؟

     حاورته رحمة:

-    إنَّهم حُثالةُ المدن النفطية الجديدة.

-    ولكنهم ولدوا هنا وامتلأت رئاتهم بهواء الدغل العليل.

-    اجتثوهم من هنا أيضًا، وألقوا بهم شجيرات بلا سيقان ولا جذور في مزابل المدن.

-    ربَّاه.

-    وأنت يا عوض... ما أنت فاعل؟

     اعترف عوض الريحة مكسورًا:

-    وماذا بيدي؟

     انسحبت رحمة مشفقة وَجِلةً عليه.  وخرج عوض الريحة يستطلع أمور الدغل في ليلة الأرق... ليلة الانقلاب، فلم يسمع سوى طلقات المدافع، ولم يرَ سوى التماعات الأعيرة النارية في الهواء.  وعلى ضوء تقاطع الأعيرة النارية نشؤ الرجل أليتيه كأتان، فإذا هو أمام الفتى المخمور رجل الأمن ورجل المرحلة الجديدة.

    ناداه عوض الريحة متخابثًا:

-    تعالَ يا صاح.

-    نشرب نخب العهد الجديد.

-    جميل...

-    وماذا عنِ الجبل؟

-    الكولونيل براون قال:  "سيركع" 

-    أليس هو الذي قال:  "إن كل شيء مباح"؟

-    السلطان الجديد هو الذي قال ذلك.

-    وما معنى ذلك؟

-    أيعقل أن لا يفهم عوض الريحة؟

-    لم أعد أفهم شيئًا يا صديقي.

-    كل شيء مباح بمعنى أن "كل شيء مباح" إلا أن تكون من الثُّوَّار.

-    ها...

-    أن لا تكون من الثُّوَّار.

-    هذه واحدة.

-    وأن لا تكون شيوعيًّا أو وطنيًّا أو قوميًّا أو حزبيًّا أو سياسيًّا أو مخرِّبًا.

-    وهذه ثانية.

-    وأن لا تكون من أصحاب الأفكار وقُرَّاء الجرائد والرِّوايات والأشعار.

-    وهذه ثالثة.

-    وأن لا يكون من ذراريك واحدًا منهم.

     "هذا الكلب يُشير إلى ابني خالد"- خمَّن عوض الرِّيحة.

-    وهذه رابعة.

-    وأن تكون مواطنًا صالحًا.

-    كيف؟

-    تتعاون معنا.

-    ولكن...

-    ستقول زعيم عشيرة.. قَيْل.  نحن لا نعرف إلا متعاونًا أو غير متعاون.

-    والذي لا يتعاون؟... أعني أصحاب الحياد.

     ضحك رجل الأمن ضحكة صفراء.  ضرب كأسَه بكأس عوض الرِّيحة، زظلَّ يضحك مردِّدًا:

-    مغفَّل... حياد في الحرب...

      فرَّ عوض الريحة صريع سبات عميق.  تشاور رجل الأمن مع مخبرين آخرين كانوا يُراقبون الموقف من بعيد، وقرَّروا في عجلة من أمرهم:

-    نُلقيه عاريًا على قارعة الطريق.

-    عوض الرِّيحة لا يعنيه ذلك.

-    نلوطه.

-    ستكبر المسألة.

-    نجتثُّ أليتيه.

-    غير مناسب.

-    إذن...

-    نُلقيه في الجامع عاريًا ونتَّهمه بغلام.

     طلعتِ السَّيِّدةُ الشمس عوراءَ مجدورةً فاسيقظتْ قطط الدَّغل.  تبرَّجتْ وتزيَّنتْ ولبستْ أقنعتَها وخطرتْ مغتبطةً بأجمل فضيحة في اليوم الأوَّل بعد المائة من أيام الانقلاب.  

 

الفصل التَّاسع

    تعانقت النار والنار، وانطفأت جذوة الرصاصات في مساراتها.  هرول المطر في الغابة جذلاً، وأضاء البرق في شرفات حدقات طفول آفاق بحار مجهولة.  كانت سفائن بلقيس تتهادى في البحار معمَّدةً بالأمنيات، سفائن بلورية في بحار شهلاء ترجع صدى الحكايات الشجاعة.

    بسمل مسلّم باسم العبيد الذين ضربوا مجاذيف سفائن بلقيس البلورية في البحار الشهلاء، وألقى بقنبلته.

    استقرت القنبلة في متراس العدو.

    تعانقت النار والنار.

    انطفأت جذوة الرصاصات في مساراتها.

    وهرول المطر في الغابة طربًا.

    هتفت طفول جذلة:

-    المجد للثورة...

    ورشَّتْ بالـ"سيمينوف" مجندلةً ثلةً من الجندرمة الإيرانية كانوا يتسلقون التلة المحاذية، فبرقت عيناها وأضاءتا متراس الثورة، وكركرت الطفولة فتعانقت النار بالنار.  انطفأت جذوة الرصاصات في مساراتها.  وأصاخ مسلّم مأخوذًا فامتلأت أذناه بأنين الصَّواري وآهات العبيد المكلومة.  ألقى قنبلةً أخرى.  كشف مواقع العدوِّ المحتمية بنتوءات التلة المحاذية.  وعلى ضوء قنبلته فتحت طفول نيران رشَّاشها، وكركرت كما الينبوع.

    تعانقت النار بالنار.

    انطفأت جذوة الرصاصات في مساراتها.

    وانسلَّ من أحشاء السَّماء برق هوى كابن ذي يزن فأضاء البحار السِّرِّيَّةَ في الحدقات المحاربة.

    انخطف مسلّم مأخوذًا وهو يرى ما يرى.  كانت مراكب بلقيس تسابق الريح وتتزاحم، بلورية في متنها زمرد وفي صفائحها ياقوت وعلى سواريها نُصبتْ مشانقُ للعبيد المتمرِّدين.

    أرسل العدو نيرانَه، فأسكتها بقنبلة.  وعلى التماع شعاع قنبلته أرسلتْ طفول نيرانها.

    تعانقت النار بالنار.

    انطفأت جذوة الرَّصاصات في مساراتها.

    هدأت سَوْرَةُ الحرب.

    استعادتِ الغابةُ صمتَها الوقور.  ومسلّم منخطف، مذهول بسفائن بلقيس، بقادتها المرصَّعين بالمجد، المزنَّرين بالبسالة، المتوَّجين بالحكمة... ببلقيسَ ذاتِها، بالعيون الشَّهلاء تقود سفائنَ بلَّوريَّةً، تطرق بحارًا سِرِّيَّةً تجوب محيطاتٍ مضطربة، وتشق ظلمات الأفق البعيد... البعيد... عمانيون بلون السُّهوب يُشرعون قِلْعًا، ينشرون أشرعةً، يدفعون ريحًا، يُصالحون ريحًا وريحًا، ويقودون سفائن.

    همهم مسلّم يُصلِّي للعيون الشَّهلاء، ويُبسمل للعبيد المتعبين.

    تعب...

    من صَدَفِ البحر

    لملمتُ ذاكرتي

    وخبَّأتُ وجهيَ الرُّخاميّ

    أسرجتُ أفراسي العاشقة

    وأشعلتُ ناري على فلوات السُّفوح

    فما غرَّد الورد

    ما زفَّني هدد المنجوي

    ولا كحَّلتني الطيور

-    الله... (عاودت طفول كركراتِها).

    ومازحته في متراس الثورة:

-    أُكحِّلك أنا؟

-    أنتِ أحلى طير.

-    إنَّهم يصرعون الطيور.

-    هِيَ الأبقى.  لأنني لا أتخيَّل علَمًا بلا طيور.

     أطلق العدوُّ قنابلَه المضيئة، وأرسل خلفها طلقاتٍ متقطِّعة.  اختبأ الثُّوَّار وتجاهلوه.  شوشرت القنابل في سديم الصَّمت.  وعاود مسلّم وطفول مطارحاتِهما.

     قالت طفول:

-    سمعتك تتحدَّث عنِ التَّعب.

-    تعبي محسوب.

-    أيكون تعبُ الثَّورة من الثَّورة؟

-    نحن جئنا الثَّورة من منزلة العَسْفِ فتوَّجتنا في منزلة الفرح.

-    الآن أعدتِ لي خاطري.

-    وهل راودكَ شكّ؟

-    لا... إنما هي الخواطر.

     صأصأ جندبٌ فلمحتْ ثلاثة من جنود العدوِّ يزحفون.  ألقتْ بحصى في اتِّجاهٍ آخر.

     رفعوا رؤوسَهم.  فتحت ومسلّم نيران رشَّاشيهما...

     تعانقتِ النارُ والنار.

     انطفأتْ جذوةُ الرَّصاصات في مساراتِها.

     وعاودت طفول كركراتِها.

     عاودت السَّفائنُ اندفاعاتِها.  كان الرُّهبان يُرتِّلون الأناشيد، ورائحة الكندر والطِّيْب تطرد الشرورَ وتَهدي المغامرَ الجريءَ بين خلجان الجزائر السِّحريَّة ومكامن الدَّوَّامات القاتلة.  وبلقيس... بلقيس على سريرها ترقب زنود العبيد القويَّة، وتحلم بسفوح القدس وغوطات دمشق.

    لم يعرف مسلّم كيف عادت به سفائن بلقيس القهقرى إلى سنواتٍ مضت، إلى قافلتهم التعبة... إلى طفول... إلى عينيها... ذات العينين اللتين أبحرت فيهما مراكبُ بلقيسَ وشدَّت قافلتهم فيها الرِّحال.

    كانتِ القافلة تضرب هلعةً في السُّهول بحثًا عن مرعى.  كان السَّغَبُ سيِّدَ الموقف.  أبقارُنا سَغِبَة.  نساؤنا سَغِبات، وأطفالُنا كان الموت يحصدهم كأوراق الخريف.

 
 
|

تحيات حارة

تحيات حارة لأحمد الزبيدي كاتبا ومثفا مستقلا ونظيفا. كم أتطلع لمعرفة أحوال القبائل عشية تلك الليلة.
» |

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
12 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.

صورة عشوائية

رد الداخلية الثاني- الصفحة الخامسة الأخيرة

أحدث التعليقات

مرصد المدونين

مرصد المدونين

الفعاليات

« January 2009
اثنثلثأربخميجمعسبتأحد
1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031

Tags in معارض الصور