باذرو الفِتن ومثيرو الشِّقاق يخترقهم سيفُ الشَّيطان

نشره saltowayyah يوم أرب, 2008-07-02 01:53.

الكوميديا الإلهية

الكوميديا الإلهية

 

 

ط 1 2002
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
1036 صفحة من القطع الكبير


جهد كبير وشديد التَّميُّز بذله كاظم جهاد في ترجمة هذا العمل، وبروحٍ متواضعةٍ تقرُّ بالفضل إلى من سبقوه، يُصدِّر ترجمته بـ131 صفحةً يَعُدُّها "تصديرًا عامًّا وموجزًا يقف فيه (القارئ) فورًا على العناصر الأساسية التي تنبغي معرفتها عن العمل وصاحبه"، إضافةً إلى مدخل نقديٍّ يعتمد فيه "على عدد من القراءات الكبرى الموضوعة في دانتي و"كوميدياه الإلهية" (بورخيس، أُنغاريتي، ريسيه، جيرار، جاكوتيه، إلخ)"، مستفيدًا من كونه شاعرًا، ومن اطِّلاعه الغزير على مراجع عديدة تتعلق بدانتي وأعماله كافَّةً، ناهيك عمَّا يتعلَّق بـ"الكوميديا الإلهية".
وفي "التذكرة" بهذا العمل المهم لا نجد صورة تعريفية أكثف وأوجز ممَّا كتبه كاظم جهاد نفسه في الغلاف الأخير: "ما برحت "الكوميديا الإلهية" لدانتي ألغييري تستنطق الحداثة الشعرية العالمية، وتثير، في مختلف اللغات، الترجمة تلو الأخرى. في هذا العمل الذي يُعَدُّ من الملاحم الكبرى، والذي يتجاوز الملحمة إلى المأساة الشعرية، تحتشد أنماط الخطاب ومستويات الكلام، فيتضافر السرد والحوار والفكر والمحاججة والاستعادة التاريخية والإشراق، ولكن هذا كله يظل عملاً تحت "سيادة" عنصر الغناء الذي تنعقد له الغَلَبَة من بدء العمل الكبير إلى منتهاه.
في وفرة مهولة من التفاصيل المعمقة دائمًا بالانفعال الشعري، يصف الشاعر أنا- القصيدة- نزوله في "الجحيم"، ثم اختراقه "المطهر" صعودًا إلى "الفردوس" حيث يُقابل الطوباويين والقِدِّيسين، وبينهم بياتريشي نفسها: حبيبته التي يُمثِّل البحث عنها "مهماز" الرحلة وحافزها الأساس، والتي تُعنِّف الشاعر على غفلته الأولى، ثم تحل له ألغاز السماء والكون، وتكشف له عن مُهمَّته التي سيعود من أجلها إلى الأرض: مُهمَّة شعرية بامتياز.
ويُقرُّ دانتي نفسه بأن عمله هذا قابلٌ لقراءات متعددة: حَرْفِيَّة ورمزية؛ شعريةٍ وأُمْثوليَّة (أليغورية). تعددية القراءات هذه تأخذ بها هذه الترجمة المصحوبة بمئات الحواشي، والمسبوقة بدراسة واسعة تعرض لأهم ما قاله كبار الشعراء والنقاد عن عمل دانتي. على أن النابض الأساس الذي يحكم هذه الترجمة هو إيقاع العمل المتوتر على وجازة، والمتلاحق على انسياب، والمنسكب في لغة تتراوح بين الفصاحة المطبوعة و"لعثمة" الإيطالية الوليدة يومذاك، والتي منحها دانتي جدارة الارتقاء إلى "الكلاسيكية" الشعرية لأول مرة".
كاظم جهاد




الجحيم
الأنشودة الثامنة والعشرون

(الحلقة الثامنة، الخندق التاسع: باذرو الفتن ومثيرو الشقاق يخترقهم سيف الشيطان.
مشاهدة الخندق التاسع. ﭘيير دلاّ مديتشينا. برتران دي بورن.)



مَنْ ذا الذي يقدر، حتَّى بلا تقفية ،
وبمكرور الكلام، أنْ يقول ما كانتْه
الدِّماء والجراح التي رأيتُ؟


إنَّ كلَّ لسانٍ في ذلك سيُخفِق،
لأن كلامنا وفكرنا لا يمتلكان القدرة
على استيعاب هذا كله.







فلئن اجتمعت تلك الحشود
التي راحت بالأمس تبكي دمها المهراق
في بلد أﭘوليا الزَّاخر بالأخطار،

بسبب الطرواديين والحرب الطويلة
التي جمعت من الخواتم أسلابًا كثيرة
(كما كتب ليفيوس الذي هيهات يُخطئ)،

وجميع مَنْ قاسوا آلام الجراح
فيما يقاومون روبير غيسكار ؛
وأولئك الذين ما زالت عظامُهم تتكدَّس

في تشيپيرانو حيث كشف كل أپوليّ
عن خائن فيه، وهناك في تالياكوتزو ،
حيث بلا سلاح انتصر الشَّيخ ألاردو ؛








وإذا ما أراك هذا عضوَه المطعون،
وذاك جسمَه المجدوعَ، فلن يكون هذا بذي بال
أمام رعب الخندق التَّاسع ذاك.

لا برميل مكسور الغطاء أو الأضلاع
كان فاغرًا كالكائن الذي رأيتُ
مبقورًا من عنقه حتَّى عجزه.

أحشاؤه تتدلَّى بين ساقيه،
وإنَّك لترى رئتيه والكيسَ الكريه
الذي يصير فيه فضلاتٍ ما يبتلِعُه الإنسان.

وفيما أُحدِّق به مليًّا
فتح صدرَه بيديه
وقال لي: "-أنا (...)، أُنظرْ كيف أتلف!

أنظر كيف بُتِرَتْ أعضائي!
وابن عمِّي يمضي باكيًا أمامي،
مفلوعَ الرَّأس من هامته حتَّى ذقنه.

وجميع مَنْ ترى هنا بأمِّ عينيك
كانوا قد عاشوا باذرين الفضائح والأحزاب:
ولذا تراهم مشقوقي الأجسام على هذا النَّحو.

ووراءنا شيطانٌ يُهَنْدِمُنا
بهذه الفظاظة ويُمرِّرُ على حدِّ سيفِه
جميع معذَّبي هذا الطَّابور،








ما إنْ نكون أكمَلنا دورتَنا الكئيبة:
ذلك أنَّ جراحَنا تندمل
قبلَ أنْ نمرَّ ثانيةً أمامَه.

لكن مَنْ أنتَ يا مَنْ تقف على هذا الجسر،
ربَّما لإرجاءِ العذاب
المقرَّرِ بحقِّكَ بعد اعترافك؟"

فبدأ أستاذي: "- ما برح الموت لم يمسك به،
ولا إثمَ يأتي به لرؤية العذاب،
لكنْ حتَّى أَمُدَّه بخبرةٍ وافية،

ينبغي أنْ أصاحِبَه، أنا الميِّت،
إلى الجحيم السُّفليِّ من حلقة إلى أخرى:
هذا صحيحٌ كما كان صحيحًا أنَّني الآنَ أُكلِّمُك."

كانوا أكثرَ من مئةٍ أولئك الذين
توقَّفوا في الهوَّة ليروني بعدما سمعوا هذه الكلمات،
مصعوقين حتَّى ما عادوا ليذكروا عذابَهم.

"- أنت يا مَنْ قد ترى الشَّمس ثانيةً عمَّا قريب،
فلتقل للرَّاهب دولتشينو أنْ يتموَّن،
إذا كان لا يريد أنْ يتبعَني إلى هنا بسرعة،

بما يكفي من الطَّعام حتَّى
لا يوفِّر الثَّلج للنَّاڤاريِّين نصرًا
سيكون من دون ذلك عسيرًا منالُه!"

وجَّه لي المعذَّبُ هذه الكلمات
وهو يرفع قدمَه للانصراف،
ثمَّ ما إنْ وضعَها على الأرض حتَّى ابتعد.

آخَرُ، وقد كان مثقوبَ الحلق،
ومجدوعَ الأنفِ حتَّى أسفلِ الحاجبين،
وما له غيرُ أذنٍ واحدةٍ، تَسَمَّرَ

صُحْبَةَ الآخرين فاغرَ الفمِ ناظرًا إليَّ،
ثمَّ فتح قبل الآخرين حلقومَه
الذي كان من الخارج بالغَ الحُمرة،

وقال لي: "- أنتَ يا مَنْ لا تُدينُه أيَّةُ خطيئة
ويا مَنْ رأيتُه من قبلُ على أرض اللاّتين،
إنْ لم يخدعْني شَبَهٌ بسواك مفرط،

ألا تذكَّرْ پيير دا مديتشينا ،
إذا ما رأيتَ ثانيةً السَّهلَ الجميل
الذي ينحدر من ڤيرتشيلي إلى ماركابو.







ولْتُعْلِمْ أفضلَ مَنْ في مدينة فانو،
السَّيِّدين غويدو وأنجوليلّو ،
أنهما، إذا لم يكن حَدْسُنا هنا باطلاً،

سيُرمَيان خارجَ سفينتِهما
ويُغرَقان في كيسٍ بالقرب من كاتوليكا ،
بخيانةِ طاغيةٍ متوحِّش.

من جزيرة مايوركة حتَّى قبرص،
لا من القراصنة ولا على أيدي أهل أرغوس ،
شَهِدَ نپتون جريمةً نكراءَ كهذه.

إنَّ ذلك الخائنَ ذا العَين الوحيدة،
والذي يَحكُم المدينةَ التي يَوَدُّ واحدٌ هنا بقربي
لو لم يكنْ رآها يومًا،

سيَستدعيهما من أجل التَّفاوض،
ثمَّ يتصرَّف بحيث لا النُّذورُ ولا الصَّلوات
ستُجديهما نفعًا أمامَ ريحِ فوكارا."

فقلتُ له: "- إنْ كنتَ تريدُ أنْ أحملَ
أنباءك إلى أعلى فأرِني وأخبرْني
مَنْ هو صاحبُ هذه النَّظرة المريرة."







فوضع يدَه على فكِّ
واحدٍ من رفاقِه وفتح فاه
صارخًا: "-هو ذا ، بيد أنَّه لا يتكلَّم.

كان بين المُبعَدين، فبدَّد شكوكَ قيصر
عندما قال له إنَّ لمِنَ الخُسران
أنْ يُرجئ الفعلَ مَنْ كان تأهَّب."

أوَّاه! كم بدا لي مرتعبًا
بلسانِه المقطوعِ في جوفِ حلقِه،
كوريون، الذي كان في كلامِه مشهودَ الجراءة!

وآخر مقطوع اليدين كان يرفع
جُذْعَتيه في ذلك الهواء المظلم
حتَّى لقد لوَّث الدَّمُ وجهَه،

صاح بي: "- فلتتذكَّرْ كذلك موسكا ،
الذي قال وا أسفاه: "- ما وقعَ قد وقعَ"،
هذه الكلمات التي كانتْ بذرةَ الشَّقاء لأهل توسكانيا!"

فأضفتُ: "- وكذلك بذرةَ الموت لسلالتِك!"
فابتعدْ عنَّا جامعًا ألمًا
إلى ألمٍ، كرجلٍ هو في الأوان ذاتِه مجنونٌ وحزين.

وظللْتُ أتطلَّعُ إلى الحشد
ورأيتُ شيئًا ما كنتُ سأجرؤ
على سردِه بلا برهان،

لو لم أكنْ محميًّا بضميري:
هذا الرَّفيق الطَّيِّب الذي يجعل المرءَ حرًّا
تحت درعٍ من إحساسِه بطُهْرِه.

الحقَّ رأيتُ، وأحسبُ أنَّني ما زلتُ أرى،
رجلاً يسير من دون رأس،
كما كان الآخرون يسيرون في ذلك القطيع البائس.

كان يمشي ممسكًا بالرَّأس المقطوع من خصلاتِ شَعْرِه،
مُعلَّقًا إلى يدِه كمثْل مصباح،
وينظُرُ إلينا ويقول: "- يالعذابي!"

من نفسِه صنع لنفسِه فانوسًا،
وكانا اثنين في واحدٍ وواحدًا في اثنين:
كيف يمكن ذلك؟ وحدَه يعلم مَنْ حكم به.

وعندما صار في أدنى الجسر،
رفع عاليًا ذراعَه وعليها رأسه،
ليُقرِّبَ منَّا كلماتِه، التي كانتْ:

"- فلتنظر العذاب الذي ليس يُحتمَل،
يا مَنْ جئتَ لرؤية الموتى وأنتَ ما برحتَ تتفَّس،
أُنظرْ إنْ كان هناك عذابٌ أشدّ!؛

ولكي تحمِلَ للبَشر أنبائي
إعلَمْ أنَّني كنتُ برتران دي بورن ،
الذي أغدق على الملك الشَّاب نصائحَ السّوء.

بين الأب والابن أشعلتُ البغضاء؛
أكثرَ من هذا لم يفعلْ أخيتوفيل
بأبشالوم وداود بتحريضِه الخبيث .

وما دمتُ فرَّقتُ بين شخصين كانا بلا فكاكٍ متَّحدين،
فأنا أحمل وا أسفاه دماغي مفصولاً
عن أصلِه المقيمِ في هذا الجذْع؛

هكذا يُلاحَظُ القصاصُ مُطبَّقًا عليّ."




( تصنيفات: )
نشره مجهول يوم سبت, 2008-07-05 08:48.

  1. أحشاؤه تتدلَّى بين ساقيه،
    وإنَّك لترى رئتيه والكيسَ الكريه
    الذي يصير فيه فضلاتٍ ما يبتلِعُه الإنسان.

    وفيما أُحدِّق به مليًّا
    فتح صدرَه بيديه
    وقال لي: "-أنا (...)، أُنظرْ كيف أتلف!

    أنظر كيف بُتِرَتْ أعضائي!
    وابن عمِّي يمضي باكيًا أمامي،
    مفلوعَ الرَّأس من هامته حتَّى ذقنه.

    وجميع مَنْ ترى هنا بأمِّ عينيك
    كانوا قد عاشوا باذرين الفضائح والأحزاب:
    ولذا تراهم مشقوقي الأجسام على هذا النَّحو.

    ووراءنا شيطانٌ يُهَنْدِمُنا
    بهذه الفظاظة ويُمرِّرُ على حدِّ سيفِه
    جميع معذَّبي هذا الطَّابور،








    ما إنْ نكون أكمَلنا دورتَنا الكئيبة:
    ذلك أنَّ جراحَنا تندمل
    قبلَ أنْ نمرَّ ثانيةً أمامَه.
هذا الجزاء اللائق بباذري الفتن ومثيري الشقاق الكائنات الساعية الى خلخلة نواميس الطبيعة والانسان، النقمة على الجبناء

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق