الرؤيا

نشره مجهول يوم جمع, 2008-03-14 23:39.

الفنان البلجيكي العراقي م. ج. حمَّادي

الفنان البلجيكي العراقي م. ج. حمَّادي

 

الرؤيا

عقب ليلةٍ متعِبةٍ

عشتُ الرؤيا..

وبشكل بسيط..

رحلة في الخدر والإمتاع اللذيذ.. والحب أعذب ما يكون: تحلم به أو تعيشه.. لحظات شعر وموسيقى كلها، ولمس رقيق.

دخلت الغرفة المضاءة بشبابيك واسعة، وكانت وردة الجلنار، حبي، منحنية على الطاولة، يحيطها بعض المشتركين في مشاريعها، لباسها قطني مورّد رقيق، ينساب مع تفاصيل الجسد، وأنا أعشق تفاصيلها الممتلئة.. أحب الجسم الذي يمتلك تعابيره في التثني، في رغد التكور، والإطاحة بكل مشاعر الجنس التي يخزنها قلبي من قراءة الشعر العربي القديم. لا أستطيع قول التفاصيل الشعرية الآن، لا أستطيع التنفس، عقلي تمسه غيبوبة الألوان والأزهار المتثنية على تكورات جسدها. أحب اللدونة، أحب الامتلاء، وهذا كل ما في الأمر. والآن أرى جسد الحبيبة، مفتوحاً يمسده الضياء. رأيت كتفيها في انحناءة مترفة؛ عاريتين سوى من علاقة الثوب وحاملة النهدين اللدنين كخد طفل.

ثم هبوط الثوب الفضفاض فوق الظهر، وإلى فوق تلتين ناعمتين، فردتي عجيزتها، وما بينهما يهبط منخذلاً إلى أخدود صغير. القماش بوروده الصغيرة شلال صغير من الرغبات، تحمله كل هذه الورود، يحمله قلبي، والنار التي تتسرب إلى عروق دمي، فيسارعُ .. أتقدم.. يتسارع ، ولم أمتلك إلا أن أنحني، واضعاً ذراعي برفق حول بطنها.. دافعاً جسدي من الأسفل للالتصاق بين التلتين المنحدرتين برهافة، فتتسرب إليَّ من عجزها بعض البرودة الناعمة، من ملامسة هواء الصباح.. ثم وصلني الدفء، وإحساس اللدانة، والترف الحريري يتابع الصعود الناري في جسدي.. الذي يتحارق بتسارع عجيب.. بحيث لا أستطيع أن أحمل رأسي؛ فأرخيته على الأكتاف، يساراً ويميناً، أردت أن أنام.

أريد أن أنام... آه

في هذا الفردوس الأرضي

عشقي... نبضات روحي،

خفة الأرض الراقدة تحتي.

أحسَّت هي بالمقابل بطاقتي، حرارة جسدي. توقد العشق في داخلها فأمالت رأسها: وجه إغريقي. في حركة جانبية دقيقة استوعبت أدق تفاصيلها، وكأنها الأنفاس التي تشتبك مع الهواء الذي أتنفس.. آه هذا هو العشق، تدخل الحبيبة جسدك.. تمتلك خلاياك... وتقول: اذهب... أنت ملكي.. في تلك الالتفاتة أحسستُ بتسارع حركة الدم في داخلها.. نظرتني بعيون خدرة، وكأنها تقول:

أنــا ملكـــك..

جسدي ملكك.. حبيب العمر..

آهٍ أطلقني حرة.. الآن..

أغمضتُ عينيَّ، وأَحست هي أيضاً... أنا ملكها.. جسدي حديقة تزرع فيها.. تجسدات رغباتها.. تدفعني في عطرها.. أنعس... فيتحرك الكون الغريب الحيوي داخلي.. وأود أن أبحر هناك، إلى مكمن اللذة، إلى مكمن الولادة.. فأولد من جديد.. نقياً.. موهوباً.. أكرس كل موهبتي لأخلق عالماً على صغره سعيداً، راضياً بالقليل.

لَمَستْ يدي، وهي تحسني، بين ردفيها، تحس اشتباك جسدي في لذتها المخدرة، تحاول أن تطمئنني، وهي تعيد تمسيد ظاهر يدي اليمنى– تحرك الشفاه بخفة خفية. أفهم، أطلق ذراعي عن خصرها، وأنا منغمر إلى آخر أعطافي براحة الجسد الذي أعرف... متعبداً وقد اكتشفَ طريق القُدَّاس العظيم.

في هذه الثواني السريعة لم يلحظ المساعدون ما مررت به من صعقة.. صعقة ضوء الشمس.. وإنما ابتسموا:

.."آه ٍ أيها العاشق المجنون"..

"تعرفون حلاوة الأشياء"؛ عقبـــــــت وأنـــــــــــا أكمـــــــــل: "صباح الخير للجميع".

"صباح الخير" ابتسم الكل، ورجعوا ينظرون الأوراق أمامهم.

أما أنا فرجعت، فتحت عينيَّ.. غرفتي يدخلها الضياء الذي عرَّش على وجهي، وآفاق ألذ رؤيا، أخذت جسدي وروحي إلى عالم لا يفنى.. عالم لا يمسه اليأس والقنوط.

أتذكر لون عينيها المزرق ذا الخضرة.. أتذكر حمرة شعرها.. ذهباً مشتعلاً في صباح تعطر بأنفاس الربيع... والأشجار قد تفتحت.. أزهار المزهريات، الأوركيديا والياسمين، داخل دائرة العمل، قوية مشرقة، تحمل طاقة للمكان.. وتهب ألوانها... عرفاناً، مشاركة في مكان سعيد.

ومع هذه النشوة الناعمة ذهبتُ إلى البحر.. الساحل ملتوٍ في البعد، وليس هناك أي إنسان.. صباح هادئ... حتى النوارس؛ "أين ذهبت النوارس"- سألت صديقي سالم آل تويّه. "لا أعرف!"، وعيناه تنظران إلى البعيد، تحاولان العثور على علامات لحلِّ هذا اللغز، ثم ترتدان باتّجاهي حزينتين، تفيضان رقَّةً وحيرة، فأصمت..

أُغيِّر سؤالي..

والآن البحر؛ أدخل ماءه البارد قليلاً. الأسماك تتقافز حولي، والحنين جيش يندفع كالموج.. هادئاً عميقاً، يشبك قلبي في معارك صغيرة خفية وغامضة دون شكل ولون.. تحتل كل شيء ولا شيء، أيضاً ..

آه أيها العشق يا سرَّ الكون.

يا نار الأزل...

حين أذهب... أريد هذا العشق وسادتي وزاد العتاد.. الذي يوقف الزمان فلا أفنى..

تمدَّدت على المنشفة الخمرية بعد أن سبحتُ قليلاً.. نظرتُ إلى السماء وأنا منطرح على ظهري.

إنها عميقة، صافية الزرقة؛ فجأة مرَّ نورس... فنظرت مندهشاً.. ثم سمعت أصواتاً.. تنصَّتُ: شخصان يتحدثان الألمانية. رفعت رأسي وإذ بي أرى المشـــــــــــهد: فتًى وفتاة ممتلئة حمراء الشعر بشقرة، ذراعاها عاريتان، مدورة الأجزاء، عجزها ناضج يتحرك بانفصال هادئ عن الخصر. ثم استدارات قليلاً.. برق الضوء في العيون الزرقاء المخضرة، آهٍ، أما الصورة الجانبية: تمثالٌ إغريقيٌّ يمشي على شاطئ مسقط، نقي الرمل والروح.. حنكها مستدير ذو أنفة وغنًى .. حين سأرسمه- هذا ما شعرت به: أن أقف وأطلب منها- سيكون خطاً منسرحاً بهدوء إلى الرقبة ثم الصدر الناهد.. آه عليَّ أن أتعذب.. أتعذب.. رب العالمين والسادرين في الهم اليومي.. وأنا على هذا الشاطئ الساكن أكتوي بنار الاكتشاف.. أبهت... أسقط ... ذراعان على الرمل الدافئ، في شمس الصباح الباكرة، وعيناي ترقبان السماء الرائقة، إذ تعبر في الأعالي طائرة ركاب بارقة الألوان.

يوماً ما

سيضم أحدُنا الآخرَ

بالذراعين

كإنسانين طيبين

أدركا قبل فوات الأوان-

رغم الخصام

وما تركا من علاماتٍ

غيَّبها الطينُ والأمطار-

أن الناس

يحملقون

ينحنون

إلى طائرين

فوق قبعات النساء

يعبران

بــــــــــخفـَّـــــــة

م.ج. حمَّادي

مسقط

2008/2/27

 


( تصنيفات: )

رد

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق